مع أول ليلة من شهر رمضان تتغير ملامح مدينة الكويت، أضواء الزينة تتوزع في الشوارع وواجهات المباني، والطرقات تستعيد هدوءها تدريجيا مع اقتراب أذان المغرب، فيما تنتشر الفرق التطوعية في أنحاء البلاد استعدادا لطقوس الخير التي اعتاد عليها المجتمع، وفي قلب هذا المشهد الإيماني، تبرز البنوك وشركات الاتصالات بوصفها مؤسسات أخذت على عاتقها مسؤولية تتجاوز النشاط التجاري، لتتحول إلى شركاء في تعزيز قيم التكافل والترابط المجتمعي، وإحياء روح العطاء التي تميز هذا الشهر.
في أحد شوارع العاصمة، وتحديدا بالقرب من منطقة أسواق المباركية المكتظة بزوارها وروادها، توجد العديد من قاعات إفطار الصائم، والتي تحمل شعارات أحد البنوك، لم تكن مجرد خيمة لتوزيع الطعام، بل مساحة تلتقي فيها الإنسانية بمسؤولية القطاع الخاص، الموظفون الذين اعتادوا العمل خلف شاشات الحاسوب كانوا هنا يتولون مهام مختلفة، بعضهم يشرف على تجهيز موائد الإفطار، وآخرون ينظمون طوابير العمال الذين توافدوا مع اقتراب الأذان، كانت الابتسامات جزءا من المشهد، ولم يكن أحد يشعر بغربة، فالجميع يعمل وكأنهم أفراد في أسرة كبيرة.
البنوك في الكويت، التي قطعت شوطا كبيرا في مفهوم المسؤولية المجتمعية، أعادت في الشهر الفضيل التأكيد على دورها الاجتماعي، لم تقتصر مساهماتها على موائد الإفطار، بل امتدت إلى رعاية حملات لتسديد مديونيات الأسر المتعثرة، ودعم الجمعيات الخيرية في مشروعاتها الرمضانية، وتوفير هدايا غذائية للعائلات محدودة الدخل. كانت الفكرة الأساسية هي: أن الخير ليس موسما، لكنه في شهر رمضان يأخذ طابعا أكثر تأثيرا واتساعا.
على الضفة الأخرى، وفي المناطق المكتظة بالعمالة المقيمة، تنفذ البنوك وشركات الاتصالات مبادرات مختلفة، حيث لم يكتفوا بتوزيع آلاف الوجبات اليومية، بل جهزت أيضا نقاط توزيع متنقلة تجوب أماكن تجمعات العمال عند الساحات المفتوحة أو قرب المساجد ومواقع البناء، ولم يقتصر النشاط على الإفطار فحسب، فقد اتجهت بعض الشركات إلى إطلاق برامج توعوية عبر منصاتها الرقمية، تحث على قيم الاعتدال والتكافل، إلى جانب مبادرات أخرى لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة خلال الشهر الفضيل، بمنحهم مساحات إعلانية مجانية أو تخفيضات خاصة، كان ذلك ينسجم مع التحولات الجديدة في مفهوم المسؤولية الاجتماعية، حيث لم يعد دور الشركات مقتصرا على تقديم العون المباشر، بل أيضا على تمكين الفئات الاقتصادية الأقل حظا.
أما البنوك فقد وسعت نطاق عملها ليشمل دعم المستشفيات والجمعيات التي توفر وجبات للمرضى ومرافقيهم، وبات حضورها لافتا في مواقع عدة، من المساجد الكبرى إلى الساحات الرمضانية التي تحتضن الفعاليات الشعبية والتراثية.
وقد أصبحت عملية تنظيم قاعات إفطار الصائم، أكثر احترافية خلال السنوات الأخيرة لاسيما مع توجه البنوك وشركات الاتصالات إلى عقد شراكات استراتيجية مع مؤسسات وجمعيات نفع عام، بما يضمن آليات رقابية، مشددة على اقامة الموائد وتوزيع الوجبات بشكل عادل يضمن وصولها لمستحقيها.
مع العلم أن تلك المبادرات الخيرية المتمثلة في توزيع السلال الغذائية أو وجبات أفطار الصائم، تتسم دائما بإدارة احترافية تستند إلى بيانات ومعلومات وأرقام دقيقة لضمان وصول المساعدات إلى الفئات المستحقة، وبما يتماشى مع رؤية الدولة والمسؤولين في تعزيز العدالة الاجتماعية بين شرائح المجتمع.
وعلى مدار الشهر الفضيل تركت تلك المؤسسات بصمتها في وجدان آلاف الأفراد، فلم تكن مجرد مبادرات موسمية، بل قصص إنسانية امتدت لتصبح جزءا من الذاكرة الرمضانية في الكويت، قصص صنعها موظفون آمنوا بأن العمل في رمضان ليس فقط في المكاتب، بل في الميدان، حيث يتلاقى الخير مع العطاء، وتتعزز قيم التضامن التي تظل راسخة في المجتمع الكويتي عاما بعد آخر.
34 عاماً من العطاء
بالنظر إلى تاريخ المبادرات المجتمعية في الكويت، يتبين أن القطاع الخاص لعب دورا محوريا على خلال العقود الماضية، إذ بلغ إجمالي قيمة المساهمات الخيرية للقطاع المصرفي الكويتي منذ عام 1992 حتى اليوم (نحو 34 عاما) ما يزيد على 995 مليون دينار، ما يعكس اتساع قاعدة العطاء المؤسسي، وتحول شهر رمضان إلى محفل سنوي تتجدد فيه برامج الدعم وتتعزز فيه جسور التواصل مع مختلف فئات المجتمعية.
المسؤولية المجتمعية.. رؤية تمتد على مدار العام
يظهر القطاع الخاص المحلي أن الدور الاجتماعي أصبح أقرب لمنهج عمل مستدام منه لمبادرات موسمية ليست مرتبطة بشهر رمضان فقط، فقد طورت المؤسسات الاقتصادية والهيئات تصورات جديدة للمسؤولية المجتمعية تعتمد على التنبؤ باحتياجات المجتمع ووضع برامج طويلة الأمد تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
وتتجه هذه المؤسسات اليوم إلى توسيع نطاق مبادراتها لتشمل التعاون مع المؤسسات المخولة بدعم المساعدات الغذائية وجمعيات النفع العام ومثيلاتها من المؤسسات العاملة في السوق المحلي وذلك بهدف تعزيز آليات التكافل الاجتماعي ورفع روح التعاون والولاء للوطن.













