مهما اجتهدنا لاختزال محمد العلي في شكل ما، أو صورة ما فإننا لا نستطيع ذلك.
إنه اختصار لروح الكتابة الجديدة في المملكة، وهوائها، وأسئلتها، واصطدامها مع أقانيم الكتابة المحافظة، ولا أقول الكلاسيكية، فقد كان أحد نبلاء الاحتفاء بالتراث الثقافي القديم، لغة وشعراً ونثراً وتاريخاً.
كان يبدو لي، على الدوام، قابضاً على بشارات التجديد ولكن دون أن تتخلى يده عن الماضي العريق. دائماً يمضي بجناحين، ومن عرفه عن قرب يتذكر إمارات الدهشة التي تملأ جلساءه حين تنبعث جواهر القصائد والقصص والحكم والأمثال من بين طوايا حديثه الشفهي في اللقاءات الجانبية أو عبر السهرات الممتعة، ليصبح كائناً يتجلّى فيحملنا بين خيالاته ومفرداته إلى سماوات أخرى.
كانت ريادة محمد العلي الحداثية تنبع من هذا المفصل، وأقصد تقاطع البعد الكلاسيكي في كتابته مع الروح التجديدية محفوفة بالرؤية التنويرية في الحياة والمجتمع والثقافة والفن. ولهذا فإننا لا نقرأ نصوصه الأدبية في معزل عن أفكاره وتعليقاته التي تضمّنتها إسهاماته الصحفية التي لم تنقطع، وهي إسهامات انطلقت في صحيفة اليوم لعقود، ثم في صحف الشرق الأوسط، والشرق، وعكاظ، وفي مجلة اليمامة في سنواته الأخيرة، والتي ظل مواظباً عليها حتى الشهر الذي سبق وفاته.
يندر أن تجد ذلك الصفاء اللغوي في الكتابة والحديث العام، كما تجده عند محمد العلي. لقد تشرّب اللغة بعمق وبرح موسوعية حين ذهب لتلقّي العلوم الشرعية واللغوية في مدينة النجف التاريخية، وهناك اختلط بمراجع دينية ولغوية عراقية وعربية أخرى، وبلغ رتبة الشيخ المعمّم التي كادت أن تفضي به إلى أحد خطباء الحسينيات المفوّهين، لكن أحداثاً وقعت في مرحلته العراقية لتلقي به في أتون الحداثة والفكر التنويري وليحمل تجربته الشعرية المتمردة إلى السعودية ليصنع منها مشعلاً يؤسّس لأدب جديد يخرج من عباءة الوصاية ويسائل المسلّمات الأدبية وينطلق صانعاً أرضاً جديدة نبتت فوقها زهور وشجيرات لا حصر لها.
لا يمكن لأحد أن ينجو من سحر حديث محمد العلي، وتعليقاته المحبّة أو الساخرة أحياناً، بل إن ملاحظاته الناقدة لقصائدنا مطلع الثمانينيات كانت سنداً داعماً ومحرّضاً على القراءة النوعية والتجديد، وتمزيق النصوص التي تظهر مراهقة أدبية أو جمالية.
في غياب العلي نفقد عقلاً لامعاً، وشاعراً فريداً، ورائياً كبيراً عرف طريق الضوء وسط الغيوم الداكنة.













