فرغت قبل أيام من قراءة رواية «صوت أصفر» للروائي عمر حمدان، وهي رواية تحمل حكاية إنسانية لافتة، تبدأ من الحب، لكنها لا تستقر فيه؛ إذ تتسع تدريجياً لتلامس الأبوّة والغياب والخذلان والهوية والبحث عن الجذور.
تبدأ الحكاية من لقاء مصادفة بين «مُغير»، الصحفي الفني القادم من السعودية، و«صافية»، الفنانة السويسرية من أصل تونسي، في ملتقى للفنانين التشكيليين في القاهرة، غير أن العلاقة بينهما لا تبقى في حدود قصة حب عابرة بدأت في مصر وامتدت حتى سويسرا، وإنما تفتح باباً على حكاية عائلية قديمة، تتصل في نهاية الرواية بالشابة «جالا»، ابنة صافية، التي تحمل في داخلها أثر الجد الغائب وتجربة والدتها القاسية مع أب لم تره أبداً، بعد أن تخلى جدها عن جدتها حين اكتشف حملها، فولدت البنت/أمها صافية كأنها منزوعة الجذر.
عاشت جالا إذن أثقال تركة الشاب/الزوج «فيصل الجمّال»، وهو الأب اللعوب لأمها صافية، القادم من صحراء شبه الجزيرة العربية. ومن هنا يبدو أن جالا لم تكن تقاوم حب أمها الجديد للصحفي «مُغير» بوصفه علاقة عاطفية فحسب، بل كانت تقاوم احتمال أن يتكرر الماضي مرة أخرى، وأن يكون القادم من الصحراء «الصفراء» امتداداً لرجل آخر خذل جدتها وأمها معاً.
ومن هذه الزاوية يصبح الحب في الرواية مرتبكاً ومشحوناً بالشك؛ فالحب الأول، الذي جمع والد صافية «فيصل الجمّال» بوالدتها، ترك جرحاً غائراً، بينما يظل الحب الثاني، بين صافية ومُغير، متردداً بين الصدق والخوف من تكرار التجربة. وهذا ما يجعل جالا شخصية مأزومة، لا ترفض الحب لذاته بقدر ما ترفض ما يمكن أن يعيده إليها من ألم قديم، وظلت تقاومه بشراسة، وظلت مقاومتها كأنها ابنة عاقة لأمها، حتى انتهت حياتها منتحرة في ظروف غامضة في فناء بيت أمها في «بيرن» السويسرية، في لحظة شديدة القسوة والحمولة الدرامية.
وأحسب أن ثيمة البحث عن الأصل هي أكثر ما يمنح الرواية بعدها الإنساني. فالبحث هنا ليس عن أب غائب فقط، وإنما عن جزء مفقود من الهوية والذاكرة. ولذلك أعجبتني قدرة المؤلف على توظيف التخييل في أن يتحوّل «مُغير»، بدل أن يكتفي بعلاقته بصافية، إلى رجل يبحث عن والد صديقته الهارب، في رحلة بدأت من حائل، ثم يصل إليه أخيراً في الرياض، وهو في العناية المركزة بالمستشفى، ليموت «فيصل» قبل أن تتمكن ابنته «صافية» من الوصول إليه بخطوة واحدة. وهذه المفارقة صنعت شحنة درامية مؤثرة؛ فالحقيقة أصبحت قريبة جداً، لكنها وصلت متأخرة.
ومن هنا أرى أن الرواية تعرّج على الحب، لكنها تستقر أكثر في بعدها الإنساني، وفي صورة «مُغير» العاشق الذي لا يكتفي بالحب بوصفه رغبة شخصية، بل يذهب إلى أبعد منه بحثاً عن حقيقة تخص المرأة التي يحبها. وفي هذا السلوك تتجلى شهامة البدوي العاشق، وهي إحدى الصور الجميلة في الرواية التي منحت شخصية مُغير حضورها الخاص داخل الرواية.
كما أن حضور الفن والسفر وتعدد الأمكنة والثقافات أضاف إلى الحكاية فضاءً رحباً؛ فمن القاهرة إلى بيرن، ومن الصحراء إلى أوروبا، تتحرك الشخصيات وهي تحمل معها أسئلتها القديمة، وكأن اختلاف الأمكنة لا يلغي الجرح الإنساني المشترك.
جعلتني الرواية أستمتع بدراما إنسانية تتجاوز قصة الحب التي تبدو في ظاهرها محور الحكاية. وقد ظللت حائراً أمام حالات التوتر بين الشخصيات الثلاث؛ مُغير وصافية وجالا، حتى بدأت أميل إلى أن الرواية لم تنهض على بطل واحد، كما في كثير من الروايات، بل على ثلاثة أبطال، لكل منهم حضوره وفعله وتأثيره في مسار الحكاية.
ولعل عنوان الرواية «صوت أصفر» يكتسب دلالته من هذا العالم؛ فالأصفر ليس مجرد لون، بل يتصل بالصحراء «الصفراء» القادمة منها شخصية مغير، وبالحب الأصفر الذي يبدو في بعض وجوه الرواية حباً مرتبكاً، قلقاً، محاطاً بالشك والذاكرة القديمة. وربما كان من الممكن أن يكون عنوان مثل «حب أصفر» أكثر مباشرة في وصل اللون بالثيمة، لكن «صوت أصفر» يترك مساحة أوسع للتأويل، وهو ما يجعل العنوان نفسه جزءاً من التجربة لا مجرد تسمية للحكاية.
مما أعجبني في الرواية أن عائلة فيصل الجمّال، رغم ثرائها ومكانتها، أقرت أخيراً بأبوّة صافية، وبأنها أصبحت أحد فروع شجرتهم العائلية، في لحظة تستعيد فيها الشخصية جزءاً من حقها ووجودها بعد سنوات من الغياب والإنكار. وكذلك فإن موت الأب قبل أن يرى ابنته صنع للرواية بُعداً درامياً وإنسانياً مؤثراً، وجعل الوصول إلى الحقيقة يأتي متأخراً، وكأن بعض الغياب لا تمنحه الحياة فرصةً أخيرة للتعويض.
لكنني، في المقابل، وجدت أن الرواية تميل في مواضع كثيرة إلى الشرح والإخبار، فتقدّم للقارئ تفاصيل الشخصيات وماضيها ودوافعها بصورة مباشرة، بدل أن تترك له فرصة اكتشافها من خلال المشهد والحوار والفعل. وهذا جعل بعض أجزائها أقرب إلى الحكاية المروية منها إلى التجربة الروائية التي يعيشها القارئ مع الشخصيات.
ولذلك شعرت أحياناً أن الحكاية نفسها كان يمكن أن تكون أكثر تأثيراً لو خف حضور السارد الشارح، واتسعت مساحة المشهد والصمت والتلميح، وأتيح للقارئ أن يستنتج بعض المعاني بدل أن تقدم له مكتملة. فالحكاية تمتلك أصلاً قدراً كبيراً من الإمكانات الإنسانية والدرامية، ولا تحتاج دائماً إلى أن يشرح السرد للقارئ ما يشعر به أو ما ينبغي أن يفهمه.
ومع ذلك، تظل «صوت أصفر» تجربة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا تكتفي بقصة حب بين رجل وامرأة من مكانين وثقافتين مختلفتين، وإنما تجعل من الحب مدخلاً إلى أسئلة الذاكرة والأصل والعائلة، وإلى ما يمكن أن تفعله حقيقة مؤجلة حين تظهر بعد سنوات طويلة.
كنت أتوقع أن تزخر الرواية بشخصيات ثانوية أكثر، تضيف إلى عالمها وتثري نسيجها، وتمنح الأحداث مزيداً من التفاعلات والتقاطعات الإنسانية، بما يوسع فضاء الحكاية ويجعل الشخصيات الرئيسية أكثر حضوراً وتأثيراً.
خرجت من الرواية وأنا أشعر أن عمر حمدان يمتلك حكاية ذات إمكانات إنسانية واسعة، وكان يمكن لهذه الإمكانات أن تتوهج أكثر لو ترك السرد مساحة أكبر للقارئ كي يكتشف، لا أن يعرف فقط.
تحية كبيرة للكاتب عمر حمدان على هذه التجربة. وعندما علمت أنها الأولى له في عالم الكتابة الروائية، ازددت ثقة بأنه قادر على أن يقدم لنا عملاً آخر أكثر نضجاً وتوهجاً، مستفيداً من تجربته الأولى وما فيها من إمكانات واضحة.
وأظن أن الرواية القادمة ستكون فرصة للكاتب ليمنح الحكاية مساحة أكبر، ويترك لشخصياته أن تتكلم وتكشف نفسها، وللقارئ أن يشارك في اكتشافها وتأويلها.













