تتجه الانتخابات الرئاسية في البرازيل إلى جولة ثانية حاسمة بين مرشح اليمين فلافيو بولسونارو والرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بعدما تصدر بولسونارو نتائج الجولة الأولى دون أن يتمكن من بلوغ نسبة الأصوات اللازمة لحسم السباق من جولته الأولى.
اعلان
اعلان
وبحسب النتائج الرسمية بعد فرز 99.9% من الأصوات، حصل بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو، على نحو 47% من أصوات الناخبين، مقابل 45.1% للولا، ليحصل الأول على قرابة 56.1 مليون صوت، فيما نال منافسه نحو 53.8 مليون صوت.
ومن المقرر أن يلتقي المرشحان مجدداً في الجولة الثانية في 25 أكتوبر/تشرين الأول، في مواجهة ستحدد هوية الرئيس المقبل لأكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، على أن تبدأ الولاية الرئاسية الجديدة في 5 يناير/كانون الثاني 2027.
تقدم اليمين يربك استطلاعات الرأي
ويمنح تقدّم بولسونارو في الجولة الأولى اليمين أفضلية أولية لافتة، إذ يُرجَّح أن ينتقل جزء مهم من أصوات المرشحين المحافظين الذين خرجوا من السباق إلى معسكره في الجولة الثانية.
وكان رونالدو كايادو قد حصل على 2.1% من الأصوات، فيما نال رينان سانتوس 2.2%، ما يفتح المجال أمام بولسونارو لاستقطاب شريحة إضافية من الناخبين الرافضين لاستمرار لولا في السلطة.
ونقلت تقارير إعلامية عن روبرت موجا، الشريك المؤسس لمعهد إيغارابي للأبحاث، قوله إن نتائج الجولة الأولى أظهرت إخفاقاً كبيراً لشركات استطلاع الرأي، مرجحاً أن تستمر التقديرات في التقليل من قوة بولسونارو خلال الجولة الثانية، رغم أن الاستطلاعات الحالية تشير إلى سباق متقارب.
وتأتي النتيجة بعد حملة انتخابية تنافس فيها المرشحان مع 12 منافساً آخر، وتمحورت أبرز ملفاتها حول ارتفاع تكاليف المعيشة، والفساد، والجريمة، والأوضاع الاقتصادية التي تؤثر في الحياة اليومية للبرازيليين.
بولسونارو يعلن “نهاية حقبة”
واعتبر بولسونارو، في كلمة أمام أنصاره في العاصمة برازيليا، أن نتائج الجولة الأولى تمثل مؤشراً على اقتراب نهاية عهد حزب العمال الذي يتزعمه لولا.
وقال إن منافسه خاض سبع انتخابات رئاسية، مضيفاً أنه ينظر إلى المعركة الانتخابية من زاوية مختلفة، إذ يركز هو، بحسب تعبيره، على مستقبل البرازيل وليس على الحفاظ على السلطة.
ويحاول بولسونارو تقديم نفسه باعتباره مرشح التغيير، مستفيداً من حالة الاستياء المرتبطة بارتفاع الأسعار والضرائب والجريمة، كما تعهد باتخاذ موقف أكثر تشدداً حيال الأمن العام والدين الحكومي.
وكان المرشح اليميني قد دعا قبل الاقتراع المحافظين الذين لا يتبنون بالضرورة نهج والده السياسي، لكنهم يرغبون في إنهاء حكم لولا، إلى التصويت له بشكل تكتيكي.
لولا يتمسك بالمعركة ويعد بحملة جديدة
في المقابل، أقر لولا بأن نتيجة الجولة الأولى جاءت مخالفة لتوقعاته، بعدما كان يأمل في حسم الانتخابات من دون الحاجة إلى جولة ثانية، لكنه أكد أمام أنصاره في ساو باولو أن السباق لم ينته بعد.
وقال الرئيس اليساري إن الجولة الأولى قدمت درساً في الديمقراطية، مشيراً إلى أن النتائج الانتخابية لا تكون دائماً متطابقة مع التوقعات، ومؤكداً أن فريقه سيبدأ من اليوم التالي حملة جديدة تركز على المنافسة المباشرة بين مرشحين فقط.
واتهم لولا منافسه بالسعي إلى إعادة البلاد إلى مرحلة وصفها بأنها مظلمة، متعهداً بإظهار الفوارق بين برنامجه السياسي ورؤية بولسونارو خلال الأسابيع التي تسبق جولة الإعادة.
ويخوض لولا، البالغ 80 عاماً، السباق سعياً إلى ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، وكان قد أصبح عام 2002 أول رئيس برازيلي منتخب ينحدر من الطبقة العاملة، قبل أن يعود إلى الحكم في 2006 ثم يفوز بانتخابات 2022 بعد سنوات قضاها بعيداً عن السلطة.
الاقتصاد وكلفة المعيشة في صدارة المواجهة
ويشكل الوضع الاقتصادي أحد أبرز الملفات التي ستحدد اتجاه الناخبين في الجولة الثانية، فبينما يراهن لولا على سجل حكومته في خفض البطالة وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، يستثمر بولسونارو حالة القلق الناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب.
وسعى لولا خلال الحملة إلى توسيع بعض برامج الحماية الاجتماعية، كما طرح إجراءات جديدة لتخفيف أعباء الديون عن الأسر، في وقت دفع فيه أيضاً باتجاه الحد من المقامرة عبر الإنترنت.
في المقابل، تعهد بولسونارو بالتعامل بحزم مع الدين العام، في ظل مخاوف مالية متزايدة، وبلغ الدين العام أكثر من 82% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خفضت الحكومة توقعاتها للنمو الاقتصادي إلى 2% خلال العام الحالي و2.3% في العام المقبل.
ويضيف هذا الوضع الاقتصادي بعداً جديداً للمنافسة، إذ سيكون على الرئيس المقبل التعامل مع ضغوط مالية واقتصادية في وقت تسعى فيه البلاد إلى الحفاظ على النمو ومعالجة الأعباء الاجتماعية.
إرث جاير بولسونارو حاضر في السباق
ولا يمكن فصل حملة فلافيو بولسونارو عن الإرث السياسي لوالده جاير بولسونارو، الرئيس السابق الذي صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 27 عاماً على خلفية محاولة التمسك بالسلطة بعد خسارته أمام لولا في انتخابات 2022.
ويأمل فلافيو أن يفتح وصوله إلى الرئاسة الطريق أمام إطلاق سراح والده، فيما يحاول في الوقت نفسه توسيع قاعدته الانتخابية خارج الدائرة التقليدية لأنصار عائلة بولسونارو.
ولم يكن فلافيو، البالغ 45 عاماً، من أبرز الأسماء المطروحة على الساحة الرئاسية قبل أن يدفع به والده إلى السباق، لكنه تمكن خلال الحملة من ترسيخ حضوره بوصفه ممثل التيار المحافظ في مواجهة لولا.
وعند خروجه من مركز اقتراع في ريو دي جانيرو، تعهد بولسونارو بـ”تحرير الشعب البرازيلي”، قائلاً إن البلاد تحتاج إلى تغيير بعد سنوات من الأزمات، ومشيراً إلى ارتفاع الضرائب والجريمة وما وصفه بالاضطهاد السياسي.
معركة على اتجاه البرازيل داخلياً وخارجياً
وتجري الانتخابات وسط استقطاب سياسي حاد، في وقت تشهد فيه دول عدة في أميركا اللاتينية تحولات باتجاه اليمين، مدفوعة جزئياً بصعود نفوذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودعمه للتيارات المحافظة في المنطقة.
وفي حال فوز بولسونارو، ستشهد البرازيل، صاحبة أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، تحولاً سياسياً بارزاً نحو اليمين، بينما سيعني فوز لولا استمرار النهج اليساري الذي عاد إلى السلطة مع انتخابه عام 2022.
كما دخلت العلاقات مع واشنطن والسيادة الاقتصادية للبلاد في صلب الحملة، إذ حذر لولا من الضغوط الأميركية على البرازيل، في إشارة إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على صادراتها.
وكان لولا قد قال بعد الإدلاء بصوته في ولاية ساو باولو إن الناخبين أمام خيار بين تعزيز النظام الديمقراطي وما وصفه بـ”الهمجية”.
وبينما يراهن لولا على سجله الاجتماعي وانخفاض البطالة إلى مستويات تاريخية، يركز خصمه على الأمن والضرائب وكلفة المعيشة، لتدخل البرازيل بذلك مرحلة انتخابية جديدة ستحدد ليس فقط اسم الرئيس المقبل، وإنما أيضاً الاتجاه السياسي والاقتصادي للدولة خلال السنوات المقبلة.













