شهدت المدن الإسبانية موجة عارمة من الغضب الشعبي، حيث خرج عشرات الآلاف من المواطنين إلى شوارع العاصمة مدريد وأكثر من 50 مدينة أخرى في تظاهرات حاشدة للتنديد بتفاقم أزمة السكن في إسبانيا. وتأتي هذه التحركات الاحتجاجية الواسعة في أعقاب رفض البرلمان الإسباني لحزمة من الإجراءات والتشريعات الحكومية التي قدمتها حكومة بيدرو سانشيز، والتي كانت تهدف إلى كبح جماح الارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات ووقف عمليات الإخلاء القسري التي طالت الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
وتجمعت الحشود الغاضبة في قلب مدريد، حيث قدرت الجهات الرسمية مشاركة نحو 70 ألف شخص في مظاهرة العاصمة وحدها. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية وتوفير سكن ملائم بأسعار معقولة، بينما لوح آخرون بلافتات تدعو صراحة إلى تنظيم إضراب عام لشل الحركة الاقتصادية حتى الاستجابة لمطالبهم. وفي مدينة فالنسيا، اتخذت الاحتجاجات طابعاً أكثر حدة، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والمحتجين، استخدمت فيها قوات الأمن الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع، بعد أن نجح نحو 30 متظاهراً في اقتحام مبنى “مدينة الفنون والعلوم” الشهير قبل إخراجهم منه. وفي المقابل، سارت التظاهرات في بقية المدن الإسبانية بشكل سلمي، بينما حالت الأمطار الغزيرة دون إقامة الفعاليات الاحتجاجية التي كانت مقررة في برشلونة وهوسبيتاليت دي يوبريغات.
جذور تاريخية متراكمة تغذي أزمة السكن في إسبانيا
لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن السياق التاريخي والاقتصادي الذي مرت به البلاد. فمنذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، يعاني قطاع العقارات في إسبانيا من تشوهات هيكلية عميقة. وقد ساهم التدفق الهائل للاستثمارات الأجنبية، وتحول آلاف الوحدات السكنية في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة وفالنسيا إلى شقق للإيجار السياحي القصير المدى عبر المنصات الرقمية، في تقليص المعروض السكني المخصص للمواطنين المحليين بشكل حاد.
هذا التحول أدى إلى ارتفاع فلكي في أسعار الإيجارات لا يتناسب مطلقاً مع متوسط الأجور في البلاد، مما جعل الحصول على مسكن لائق حلماً بعيد المنال للشباب والعائلات من الطبقة المتوسطة والعاملة. وزاد من عمق الأزمة الحادثة الأخيرة التي هزت الرأي العام، والمتمثلة في طرد مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها في مدريد، مما فجر موجة التضامن والغضب الحالية.
تداعيات سياسية واقتصادية تهدد استقرار الحكومة
تتجاوز أهمية هذه الاحتجاجات البعد الاجتماعي المباشر لتلقي بظلالها على المشهد السياسي الإسباني برمته. فعلى المستوى المحلي، تضع هذه الأزمة حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الائتلافية في مأزق حقيقي، خاصة بعد فشلها في تمرير القوانين المنظمة لقطاع العقارات في البرلمان بسبب معارضة اليمين. وتشير التقارير الإعلامية الإسبانية إلى أن سانشيز يراقب عن كثب حجم الشارع ومدى استجابة النقابات العمالية لدعوات الإضراب العام التي أطلقتها فاليريا راكو، المتحدثة باسم اتحاد المستأجرين، حيث يلوح في الأفق خيار الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في نوفمبر المقبل كأداة للخروج من الانسداد السياسي الحالي.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن ما يحدث في إسبانيا يعكس أزمة أوروبية أوسع نطاقاً؛ حيث تواجه عواصم كبرى مثل برلين وباريس ولشبونة ضغوطاً شعبية مماثلة للحد من جشع الشركات العقارية وتنظيم سوق الإيجارات السياحية. وبالتالي، فإن نجاح أو فشل التجربة الإسبانية في احتواء هذا الغضب الشعبي سيكون بمثابة مؤشر هام للحكومات الأوروبية الأخرى التي تخشى انتقال عدوى الاحتجاجات العمالية والشعبية إلى أراضيها.
The post أزمة السكن في إسبانيا: احتجاجات عارمة ودعوات لإضراب عام appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













