تشهد العلاقات الثنائية بين أوتاوا وواشنطن تحولاً تاريخياً غير مسبوق، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن تبني استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تقليص الاعتماد على أمريكا اقتصادياً وعسكرياً. وتأتي هذه الخطوة الجريئة في وقت تتحسب فيه كندا لأسوأ السيناريوهات المحتملة في علاقتها مع جارتها الجنوبية، لدرجة دفع الأجهزة الاستراتيجية لدراسة احتمالات بالغة الخطورة، بما في ذلك إمكانية حدوث نزاع عسكري، رغم تأكيد القيادة الكندية أن هذا السيناريو لا يمثل الفرضية الأساسية بل يندرج تحت بند الاستعداد للمخاطر القصوى وتأمين المصالح العليا للبلاد.
جذور التحالف التاريخي والمنعطف الجديد بين البلدين
على مدى عقود طويلة، مثلت الحدود الكندية الأمريكية أطول حدود غير محروسة في العالم، وتأسست الشراكة بين البلدين على ركائز صلبة شملت اتفاقيات دفاعية تاريخية مثل قيادة الدفاع الجوي الفضائي لأمريكا الشمالية (نوراد) وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب الشراكة الاقتصادية العميقة عبر اتفاقيات التجارة الحرة المتتالية. ومع ذلك، فإن التغيرات السياسية الأخيرة والتوترات التجارية المتصاعدة فرضت على أوتاوا إعادة تقييم هذه العلاقة الوجودية بشكل جذري.
وأوضح رئيس الوزراء مارك كارني، في مقابلة موسعة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أنه أمضى العام الماضي في إعداد خطط طوارئ لمواجهة ما وصفه بـ “المخاطر القصوى”، مؤكداً أن حماية السيادة الوطنية تتطلب الاستعداد لكافة الاحتمالات السياسية والعسكرية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال مفتوحة ومباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمناقشة الملفات العالقة حتى بعد تعثر المفاوضات التجارية بين الجانبين.
رؤية كارني لـ تقليص الاعتماد على أمريكا وتأمين السيادة
تتضمن الخطة الكندية الجديدة خطوات عملية لإعادة رسم خريطة الاعتماد الاستراتيجي في قطاعات حيوية وحساسة للغاية. وفي مقدمة هذه الخطوات، تسعى كندا إلى تقليل اعتمادها على منظومة الاتصالات الفضائية “ستارلينك” المملوكة للملياردير إيلون ماسك، والبحث عن بدائل فضائية مستقلة تضمن أمن الاتصالات الكندية.
وفي المجال الدفاعي، تعيد الحكومة الكندية النظر في صفقة شراء 88 مقاتلة أمريكية من طراز F-35، وتدرس بجدية خيار اقتناء مقاتلات “جريبن” السويدية كبديل استراتيجي، مع توجيه تركيز متزايد نحو تعزيز القدرات الدفاعية الكندية في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الجيوسياسية المتزايدة والتي تشهد تنافساً دولياً محتدماً.
تنويع الشراكات الدولية والبدائل الأوروبية والآسيوية
لم تقتصر استراتيجية أوتاوا على مراجعة العلاقات الثنائية مع واشنطن، بل امتدت لتشمل بناء شبكة تحالفات دولية جديدة لتعويض التراجع المتوقع في الاعتماد على الشريك الأمريكي التقليدي. وفي هذا السياق، عززت كندا تعاونها الدفاعي والاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، وتقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى شراكة عسكرية وأمنية تقودها بريطانيا. كما اتجهت البحرية الكندية نحو التكنولوجيا الأوروبية باختيار شركة ألمانية لتشييد غواصاتها الجديدة.
ويرى الخبراء أن هذا التحول سيكون له تأثير إقليمي ودولي واسع، حيث يعيد صياغة التوازنات الأمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ، لا سيما مع التحركات الكندية النشطة لتعميق الروابط التجارية والدبلوماسية مع دول جنوب شرق آسيا، مما يقلل من وطأة أي ضغوط اقتصادية قد تمارسها واشنطن مستقبلاً.
التوازن الاقتصادي الصعب وأوراق الضغط المتبادلة
رغم هذا التوجه السيادي الجديد، يقر رئيس الوزراء مارك كارني بصعوبة فك الارتباط الكامل والمفاجئ مع الاقتصاد الأمريكي نظراً للتشابك التاريخي العميق وسلاسل الإمداد المعقدة، خاصة في قطاع صناعة السيارات العابر للحدود. وتظل كندا متمسكة بفتح أبواب التفاوض لإبرام اتفاقيات تجارية متوازنة تخدم مصالح الطرفين.
وتستند أوتاوا في مفاوضاتها إلى أوراق ضغط اقتصادية قوية، أبرزها صادرات البوتاس الكندي التي تغطي نحو 90% من احتياجات السوق الأمريكية، بالإضافة إلى الإمدادات الضخمة من النفط الكندي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بشكل كبير لتأمين احتياجاتها من الطاقة. ومع ذلك، يفضل كارني عدم استخدام ملف الطاقة كسلاح في النزاعات التجارية، مؤكداً أن الهدف الأسمى هو جعل كندا أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام التقلبات السياسية الخارجية دون الدخول في قطيعة كاملة.
The post تقليص الاعتماد على أمريكا: استراتيجية كندا الجديدة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













