عاد اليمن إلى صدارة الهواجس الأمنية السعودية، بعدما حقق “الحوثيون” تقدماً سريعاً على الساحل الغربي وسيطروا على المخا وجزر حنيش، قبل وصولهم إلى جزيرة ميون وبلدة ذباب المقابلة لها عند مضيق باب المندب، إثر انسحاب القوات الحكومية المدعومة من الرياض.
اعلان
اعلان
ولا يعني هذا التقدم أن الحوثيين أحكموا سيطرتهم الكاملة على حركة الملاحة في المضيق، لكنه يمنحهم مواقع استراتيجية تتيح لهم تشديد قبضتهم العسكرية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم
وتتضاعف خطورة هذه التطورات بالنسبة إلى الرياض مع اعتمادها المتزايد على مسار البحر الأحمر لتصدير النفط، بعدما أدى الصراع مع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً. وبذلك، تجد السعودية مصالحها النفطية محاصرة بتهديدين متزامنين، إيران عند هرمز و”الحوثيون” عند باب المندب.
غير أن المواجهة الراهنة ليست سوى أحدث فصول علاقة طويلة ومعقدة، تداخلت فيها نزاعات الحدود مع الصراع على النفوذ، والاعتماد الاقتصادي مع محاولات الاستقلال السياسي، والتحالفات المرحلية مع الشكوك المتبادلة. فماذا يكشف تاريخ العلاقات السعودية–اليمنية عن جذور التوتر المزمن بين الجارين؟ وكيف تعاقبت محطات التقارب والقطيعة بينهما وصولاً إلى اليوم؟
حرب 1934.. الحدود ترسم أول خطوط الشك
تعود جذور العلاقة المضطربة إلى السنوات الأولى لقيام المملكة العربية السعودية. ففي عام 1934، اندلعت حرب بينها وبين المملكة المتوكلية اليمنية، وانتهت بتوقيع معاهدة الطائف في حزيران من العام نفسه.
وكرست المعاهدة اعتراف اليمن بالسيادة السعودية على عسير وجيزان ونجران، ضمن اتفاق كان يُجدد كل 20 عاماً. كما نظمت العلاقة بين المناطق الحدودية، وأتاحت لسكان البلدين الإقامة والعمل عبر الحدود.
وبحسب دراسة نشرها “مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية”، أعقب المعاهدة نحو ثلاثة عقود من السلام النسبي، نمت خلالها الروابط الاقتصادية وتدفقت أعداد كبيرة من العمال اليمنيين إلى المملكة.
لكن الاتفاق لم ينه أزمة الثقة بصورة كاملة. فالحدود بقيت قضية شديدة الحساسية في الوعي السياسي اليمني، فيما نظرت السعودية إلى استقرار جارها الجنوبي باعتباره جزءاً من أمنها الداخلي، لا مجرد ملف ضمن علاقاتها الخارجية.
ثورة 1962.. الجمهورية تثير مخاوف المملكة
دخلت العلاقات مرحلة أكثر توتراً مع اندلاع الثورة في شمال اليمن عام 1962 وإعلان الجمهورية العربية اليمنية، بعد إطاحة الإمام محمد البدر الذي فر إلى السعودية.
وطلب الجمهوريون دعماً من مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، المنافس الإقليمي الأبرز للرياض آنذاك. وأرسلت القاهرة قوات إلى اليمن لدعم النظام الجمهوري الناشئ، ما حوّل الصراع الداخلي إلى ساحة مواجهة إقليمية عُرفت بأنها أحد أبرز فصول “الحرب العربية الباردة”.
ورأت السعودية في قيام جمهورية مدعومة من مصر على حدودها الجنوبية تهديداً سياسياً وأمنياً مباشراً، خصوصاً في مرحلة كانت تشهد صعود الأنظمة الجمهورية والقومية وسقوط عدد من الملكيات العربية. لذلك دعمت الرياض القوات الملكية الساعية إلى إعادة الإمام إلى السلطة.
وتكشف هذه المرحلة أن الصراع لم يكن مذهبياً في جوهره. فقد دعمت السعودية الملكيين المنتمين إلى المذهب الزيدي، في حين ضم المعسكر الجمهوري قوى زيدية وشافعية، ما يؤكد أن موقف الرياض كان مرتبطاً أساساً بمواجهة النفوذ الناصري وحماية النظام الملكي.
وبعد هزيمة مصر في حرب حزيران 1967، توصل الملك فيصل عبد الناصر إلى تفاهم بشأن إنهاء تدخلهما في اليمن. وانسحبت القوات المصرية، فيما استمر الصراع الداخلي حتى عام 1970، عندما اعترفت السعودية بالجمهورية وأُدمج عدد من الشخصيات المحسوبة على المعسكر الملكي في النظام الجديد.
دعم الدولة والقبائل.. نفوذ عبر مسارات متوازية
بعد تثبيت النظام الجمهوري، دعمت السعودية الحكومة المركزية في صنعاء، لكنها حافظت في الوقت نفسه على علاقات مالية وسياسية مباشرة مع شيوخ قبائل وشخصيات يمنية نافذة.
ومنحت هذه السياسة الرياض قنوات تأثير متعددة داخل اليمن، لكنها ساهمت أيضاً في تعزيز قوى محلية قادرة على منافسة مؤسسات الدولة. وكانت السعودية تسعى إلى منع انهيار اليمن وتحول حدوده إلى مصدر دائم للفوضى، من دون السماح بقيام دولة قوية قد تخرج تماماً من دائرة نفوذها.
فاليمن بالنسبة إلى المملكة ليس مجرد دولة مجاورة؛ بل بلد ذو كتلة سكانية كبيرة، وحدود طويلة ومتشعبة، وبنية قبلية وعسكرية راسخة. ويمكن لانهياره أن يفتح الباب أمام تدفق اللاجئين وتهريب السلاح وانتقال الجماعات المسلحة، في حين قد يؤدي صعود دولة يمنية قوية ومستقلة إلى التأثير في موازين القوى داخل شبه الجزيرة العربية.
وثيقة سرية تكشف الحسابات السعودية والأميركية
تكشف وثيقة أميركية رسمية مؤرخة في 29 آذار 1973 جانباً مهماً من السياسة السعودية في اليمن، ومن رؤية واشنطن للصراع الذي كان دائراً آنذاك في جنوب شبه الجزيرة العربية.
والوثيقة عبارة عن مذكرة معلومات أرسلها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا جوزيف سيسكو إلى نائب وزير الخارجية كينيث راش، بهدف إحاطته بتطورات المنطقة قبل اجتماعه مع نائب وزير الدفاع وليام كليمنتس.
وصُنفت المذكرة بأنها “سرية”، وحُفظت في الأرشيف الوطني الأميركي، قبل نشرها لاحقاً ضمن سلسلة “العلاقات الخارجية للولايات المتحدة” الصادرة عن “مكتب المؤرخ” التابع لوزارة الخارجية. وأعد مسودتها الدبلوماسي فرانسوا ديكمان، فيما وافق عليها المسؤول في الخارجية رودجر ديفيز.
وتصف الوثيقة اليمن الجنوبي بأنه نظام راديكالي كان يحظى بدعم كبير من الاتحاد السوفييتي، وبدرجة أقل من دول شيوعية أخرى. كما تقول إنه قدم، بمساعدة صينية، الدعم والملاذ للمتمردين الماركسيين الناشطين في منطقة ظفار العُمانية. وزعمت المذكرة أيضاً أنه دعم ما وصفته بـ”الأنشطة التخريبية” في اليمن الشمالي ومناطق أخرى من عُمان ودول الخليج المستقلة حديثاً.
وفي المقابل، تشير الوثيقة إلى أن السعودية كثفت، بعد استئناف علاقاتها مع اليمن الشمالي عام 1970، جهودها لاحتواء اليمن الجنوبي وإضعافه. وقدمت مساعدات اقتصادية إلى صنعاء، وموّلت مباشرة معارضين جنوبيين نفذوا غارات داخل اليمن الجنوبي انطلاقاً من الأراضي السعودية أو اليمنية الشمالية.
وبحسب المذكرة، أدت هذه الأنشطة إلى اندلاع مواجهات حدودية بين اليمنين في أيلول 1972، انتهت بموافقتهما على التفاوض بشأن اتفاق للوحدة، إلا أن المحادثات لم تحقق نتائج عملية آنذاك.
واستغل اليمن الجنوبي توقف القتال لتعزيز قواته المسلحة، وكان يستعد لتسلّم مقاتلات من طراز “ميغ-21”. ووفق التقدير الأميركي، وصل نحو 170 كوبياً للمساعدة في تدريب “الميليشيات العمالية” والعمل طيارين في سلاح الجو الجنوبي، إلى جانب بعثة عسكرية سوفييتية ضمت نحو 200 فرد.
في المقابل، سعى اليمن الشمالي إلى تعزيز قدراته العسكرية عبر طلب الأسلحة من السعودية وإيران، بينما واصلت الرياض دعم المعارضين الجنوبيين، وبدأت تنسيق تحركاتها مع سلطان عُمان الذي كان يسعى بدوره إلى الحصول على مساعدات مالية وعسكرية سعودية.
وتكشف المذكرة أن السعودية وافقت، خلال اجتماعات عُقدت في الرياض منتصف آذار 1973 بين رئيس وزراء اليمن الشمالي ومسؤولين سعوديين، على تقديم 20 مليون دولار إضافية لدعم الموازنة اليمنية، إلى جانب دراسة قائمة طويلة من المعدات التي طلبها الجيش.
كما طلبت الرياض مشاركة المستشارين العسكريين الأميركيين الموجودين في المملكة مع ضباط سعوديين ويمنيين شماليين، لوضع خطة مدروسة لإعادة تسليح القوات اليمنية بمعدات أميركية تقدم عبر السعودية.
وأبدت واشنطن استعدادها لأن يراجع مستشاروها الطلبات اليمنية مع الضباط السعوديين، لكنها رفضت الانخراط مباشرة مع اليمنيين. وفسّرت الوثيقة ذلك بخشية الولايات المتحدة من أن يشجع التواصل المباشر صنعاء على طلب إقامة علاقة مستقلة ضمن “برنامج المساعدة العسكرية”، وهو ما لم تكن واشنطن في وضع يسمح لها بإنشائه، فضلاً عن تعارضه مع سياستها القائمة على تشجيع التعاون الإقليمي بين دول شبه الجزيرة في القضايا الأمنية.
وتطرقت المذكرة إلى تطور عسكري وقع في 22 آذار 1973، عندما هاجمت طائرتان تابعتان لليمن الجنوبي من طراز “ميغ-17” موقع الوديعة السعودي، الواقع على مسافة نحو 75 ميلاً شمال الحدود.
وأكدت أن دوافع الهجوم بقيت غامضة، لكنها رجحت، من دون حسم، احتمال ارتباطه بحادثة أفادت تقارير بتعرض رئيس اليمن الجنوبي سالم ربيع علي وأمين عام الجبهة القومية عبد الفتاح إسماعيل خلالها لكمين أثناء جولة في المحافظة السادسة المتاخمة لمحافظة ظفار العُمانية، ما اضطرهما إلى الاحتماء على متن طراد سوفييتي كان موجوداً في المنطقة. كما طرحت احتمال أن يكون الهجوم رداً على زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز إلى عُمان في منتصف الشهر نفسه، في وقت كانت السعودية وإيران تزودان السلطنة بالمروحيات.
وردّت السعودية على الهجوم بنقل مقاتلات الاعتراض البريطانية من طراز “لايتنينغ” إلى قاعدتها الجنوبية في خميس مشيط، على مسافة نحو 300 ميل غرب الوديعة. كما طلبت من الولايات المتحدة تسريع تزويدها بمعدات عسكرية، بينها ذخائر وصواريخ يمكن استخدامها في طائرات التدريب “إف-5 بي” التي حصلت عليها حديثاً.
وبدأت الخارجية الأميركية التنسيق بصورة عاجلة مع وزارة الدفاع لدراسة الطلب السعودي، كما كلفت سفارتها في طهران بمراجعة قائمة المعدات، تحسباً لتوافر بعضها في إيران وإمكان حصول الرياض عليها مباشرة.
وبناءً على طلب سعودي، أعدت واشنطن أيضاً تقييماً للوضع في اليمن الجنوبي وصلته المحتملة بالمشكلات الحدودية التي واجهتها السعودية والكويت مع العراق. كما طلبت إعداد تقدير استخباراتي وطني خاص عن جنوب شبه الجزيرة العربية، لاستخدامه مرجعاً في ورقة أميركية خاصة بتحليل البرامج وتوزيع الموارد في شبه الجزيرة.
ولا تقدم الوثيقة رواية محايدة للصراع، بل تعكس رؤية الإدارة الأميركية ومصطلحاتها في سياق الحرب الباردة. إلا أنها تكشف بوضوح أن السعودية تعاملت مع اليمن منذ تلك المرحلة باعتباره ساحة لمنع تمدد القوى المنافسة: مصر الناصرية أولاً، ثم الاتحاد السوفييتي والنظام الماركسي في الجنوب، وصولاً إلى إيران خلال العقود اللاحقة.
الحمدي وصالح.. بين الاستقلال والحاجة إلى الرياض
لم تؤد المساعدات السعودية إلى إنهاء الخلافات مع حكام اليمن الشمالي. فقد حاول الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي وصل إلى السلطة عام 1974، بناء دولة مركزية والحد من نفوذ القوى القبلية، واتخذ مواقف أكثر استقلالاً عن الرياض.
واغتيل الحمدي في تشرين الأول 1977 في ظروف لا تزال غامضة. وظهرت اتهامات وروايات غير مثبتة عن دور سعودي في العملية، إلا أنه لا يوجد دليل معلن وحاسم يثبت ضلوع الرياض في اغتياله.
أما علي عبد الله صالح، الذي وصل إلى السلطة عام 1978، فاتبع سياسة أكثر مرونة. فقد احتاج إلى الدعم المالي السعودي، لكنه حاول في الوقت نفسه الحفاظ على هامش من الاستقلال السياسي، وتجنب لسنوات طويلة إنهاء ملف الحدود.
وبحسب “مركز صنعاء”، كان صالح يرى أن رئيس أحد شطري اليمن لا يستطيع توقيع تسوية نهائية مع السعودية، لأن الشطر الآخر قد يعتبرها تنازلاً عن الأرض. وظل هذا الملف معلقاً حتى بعد توحيد اليمنين الشمالي والجنوبي عام 1990.
الوحدة وحرب الكويت.. القطيعة الأكبر
قامت الجمهورية اليمنية في أيار 1990 باتحاد الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، وتولى صالح الرئاسة فيما أصبح علي سالم البيض نائباً له.
وتشير دراسات عن العلاقات بين البلدين إلى أن السعودية لم تكن مرتاحة لقيام يمن موحد وكبير سكانياً على حدودها الجنوبية. وبعد أشهر، زاد غزو العراق للكويت حدة التوتر، بعدما انحاز صالح سياسياً إلى صدام حسين رغم اعتراض شخصيات يمنية بارزة.
وكان اليمن حينها العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن الدولي. وفي 29 تشرين الثاني 1990، صوّت إلى جانب كوبا ضد القرار 678 الذي أجاز للدول استخدام “كل الوسائل الضرورية” لإخراج القوات العراقية من الكويت، بينما امتنعت الصين عن التصويت.
وردّت السعودية بإلغاء الامتيازات التي كانت تسمح لليمنيين بالعمل في المملكة من دون كفيل، وعاد إلى اليمن عدد هائل من العمال. ويقدّر “مركز صنعاء” عدد المطرودين أو العائدين بنحو مليون شخص، ما وجّه ضربة قاسية إلى الاقتصاد اليمني الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلاتهم.
وهكذا تحولت العمالة اليمنية، التي شكلت لعقود جسراً اقتصادياً واجتماعياً بين البلدين، إلى إحدى أبرز أدوات الضغط في مرحلة القطيعة.
خط أنابيب لم يرَ النور
على الرغم من أزمة 1990 و1991، استأنف البلدان اتصالاتهما بشأن ترسيم الحدود ومقترح لإنشاء خط أنابيب يعبر شرق اليمن، ويتيح للسعودية تصدير نفطها من دون المرور بمضيق هرمز.
وافق صالح من حيث المبدأ على المشروع، لكن الخلاف تمحور حول الترتيبات الأمنية. فقد أرادت السعودية ضمانات وترتيبات مشتركة لحماية الخط، بينما أصر صالح في البداية على أن يتولى اليمن وحده مسؤولية أمنه انطلاقاً من السيادة الوطنية.
وبحسب رواية أوردها “مركز صنعاء” نقلاً عن عضوين في اللجنة الفنية اليمنية لشؤون الحدود، أبلغ صالح الرياض لاحقاً استعداده لقبول ترتيبات أمنية مشتركة، لكن السعودية طالبت بالسيادة الكاملة على ممر خط الأنابيب، ما أدى إلى تعثر المشروع. وظلت مناقشاته الفنية مستمرة حتى عام 2003، وفق المصدر نفسه، قبل أن يتراجع مع اندلاع تمرد الحوثيين عام 2004.
حرب 1994 ومعاهدة جدة
بعد أربعة أعوام على الوحدة، اندلعت الحرب الأهلية اليمنية عام 1994 بين قوات صالح والقوى الجنوبية التي أعلنت الانفصال. وساندت السعودية المعسكر الجنوبي المناوئ لصالح، لكنها لم تعترف بالدولة الانفصالية التي أعلنها علي سالم البيض في عدن، وانتهت الحرب خلال أسابيع بانتصار قوات الرئيس اليمني.
وبعد الحرب، وقع البلدان مذكرة تفاهم أطلقت مساراً جديداً لترسيم الحدود، انتهى في حزيران 2000 بتوقيع معاهدة جدة التي رسمت الحدود البرية والبحرية بصورة نهائية.
ومع تسوية أكثر القضايا الأمنية حساسية، أبدت الرياض استعداداً لتوسيع دعمها المالي لليمن وزيادة فرص العمل أمام اليمنيين، إلى جانب تمويل مشاريع في المناطق الحدودية ودعم قوات حرس الحدود.
لكن الثقة لم تترسخ طويلاً. فمع تصاعد هجمات تنظيم القاعدة داخل السعودية، ظهرت اتهامات بانتقال أسلحة مستخدمة في تلك العمليات من شبكات داخل اليمن. وأعاد ذلك المخاوف السعودية من هشاشة الدولة اليمنية وانتشار السلاح خارج سيطرتها.
الحوثيون.. من تمرد محلي إلى قوة إقليمية
اندلعت أولى حروب صعدة بين حكومة صالح والحوثيين عام 2004، ثم توالت ست جولات من القتال حتى عام 2010. وبدأت الجماعة حركة محلية محدودة، لكنها راكمت خلال الحروب خبرة قتالية وقدرات عسكرية أكبر.
وفي عام 2009، دخلت السعودية المواجهة مباشرة بعد انتقال القتال إلى حدودها وسيطرة الحوثيين على مواقع داخل الأراضي السعودية، قبل انتهاء العمليات باتفاق لوقف النار في العام التالي.
ومع احتجاجات عام 2011 وتراجع قدرة صالح على البقاء في الحكم، دعمت السعودية المبادرة الخليجية لنقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي. لكن المرحلة الانتقالية تعثرت، وتمكن الحوثيون في أيلول 2014 من السيطرة على صنعاء، قبل تقدمهم نحو محافظات أخرى.
وفي آذار 2015، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً للتدخل في اليمن دعماً للحكومة المعترف بها دولياً. ومثّل ذلك انتقالاً من سياسة العمل في الغالب عبر الحلفاء والقبائل إلى تدخل عسكري مباشر وواسع.
لكن سنوات الغارات والعمليات البرية والقيود المفروضة على المنافذ اليمنية لم تنجح في القضاء على الحوثيين. وخرجت الجماعة بقدرات أكبر على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتمكنت من استهداف مدن ومطارات ومنشآت نفطية داخل السعودية.
باب المندب يعيد التاريخ إلى الواجهة
بعد أكثر من تسعة عقود على حرب الحدود، تجد السعودية نفسها مجدداً أمام تطورات يمنية تمس أمنها المباشر، لكن الخطر هذه المرة لا يأتي من جيش دولة مجاورة، بل من جماعة مسلحة تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتتمتع بعلاقة وثيقة مع إيران.
ويمثل وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون وبلدة ذباب تطوراً استراتيجياً يتجاوز الداخل اليمني، لأن الموقعين يطلان مباشرة على باب المندب. غير أن السيطرة على نقاط برية وجزر قريبة من المضيق لا تعني تلقائياً امتلاك سيطرة كاملة على الممر البحري أو القدرة غير المقيدة على إغلاقه.
ويكتسب هذا التقدم أهمية إضافية بعدما أصبحت طرق البحر الأحمر أكثر حيوية للسعودية في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. كما جاء في وقت تواجه فيه الملاحة في باب المندب اضطرابات متزايدة بفعل الهجمات والتهديدات الحوثية.
وتتهم الحكومة اليمنية ودول حليفة لها إيران بتقديم الأسلحة والدعم والتوجيه العسكري للحوثيين. أما طهران فتصف الجماعة بأنها حليف، لكنها تنفي أنها تعمل وكيلاً عنها أو تتلقى منها أوامر مباشرة. وفي المقابل، يربط الحوثيون تحركاتهم بالضربات السعودية والقيود المفروضة على المناطق الخاضعة لهم، فيما ترى الرياض والحكومة اليمنية أن عملياتهم تهدد حرية الملاحة والأمن الإقليمي.
واليوم، تعيد التطورات عند باب المندب فتح سجل العلاقات السعودية–اليمنية، الممتد من حرب عام 1934 ومعاهدة الطائف، مروراً بالثورة الجمهورية والوحدة ومعاهدة جدة، وصولاً إلى التدخل السعودي عام 2015 والمواجهة الراهنة، في أحدث محطة ضمن تاريخ حافل بالتوترات والتسويات والتحالفات المتبدلة بين البلدين.













