نشرت في
بعد أشهر من الحرب التي هدفت لإضعاف القدرات الإيرانية، تقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام تطورات لم تكن تتوقعها. فوفق ما أوردته صحيفة “جيروزاليم بوست”، أبدى مسؤولون في الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد دهشتهم من السرعة التي تمكنت بها إيران من استعادة أجزاء واسعة من قدراتها العسكرية.
اعلان
اعلان
ويشمل هذا التقييم مجالات عسكرية متعددة، إلا أن التطور الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى إسرائيل يتمثل في العودة السريعة للتهديد الذي تشكله الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وكان الجيش الإسرائيلي، قد تولى تقييم نتائج الضربات وحجم الأضرار التي لحقت بقطاع الدفاع والصناعات العسكرية الإيرانية. وعلى الرغم من أن تقارير إعلامية أجنبية شككت، منذ مارس/آذار الماضي، في بعض جوانب الرواية الإسرائيلية بشأن حجم الأضرار التي ألحقتها الضربات بالمجمع الصناعي العسكري الإيراني، ظل خبراء في الجيش الإسرائيلي، لعدة أشهر، متمسكين بتقدير مفاده أن حجم الدمار كان كافياً لإعادة القدرات العسكرية الإيرانية سنوات إلى الوراء.
لكن بعد مرور أشهر على انتهاء الحرب الرئيسية في أبريل/نيسان، تشير التقييمات الإسرائيلية الجديدة إلى أن وتيرة التعافي الإيراني جاءت أسرع مما كان متوقعاً، لتشمل عدداً من القدرات، وفي مقدمتها الصواريخ الباليستية.
جولات من الضربات.. والنتيجة نفسها
ليست هذه المرة الأولى التي تُفاجأ فيها إسرائيل بقدرة إيران على التعافي، فقد سبق أن واجهت المفاجأة نفسها مرتين، في أكتوبر/تشرين الأول 2024 ثم يناير/كانون الثاني 2025.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، استهدف الجيش الإسرائيلي 20 هدفاً حيوياً مرتبطاً بالصواريخ الباليستية والصناعات العسكرية الإيرانية، وأعلن حينها أنه نجح في تأخير إنتاج الصواريخ الإيرانية لعام كامل أو أكثر.
لكن بحلول أوائل عام 2025، رصد الجيش الإسرائيلي تعافياً كاملاً في وتيرة إنتاج الصواريخ الباليستية عالية السرعة، وهو ما دفعه إلى تقديم موعد هجوم كان مخططاً له أصلاً في خريف 2025 إلى يونيو/حزيران من العام نفسه.
وبعد استهداف نحو 100 هدف صاروخي وعسكري صناعي في يونيو/حزيران 2025، أي ما يعادل خمسة أضعاف عدد الأهداف التي جرى استهدافها في الجولة السابقة، وباستخدام كمية أكبر بكثير من القنابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه توصل هذه المرة إلى صيغة من شأنها أن تؤخر الإنتاج الصاروخي الإيراني لعدة سنوات.
لكن المفاجأة تكررت، إذ تمكنت طهران من استعادة وتيرة إنتاجها الصاروخي بسرعة أثارت دهشة الجانب الإسرائيلي. فبعدما كانت التقديرات تشير إلى امتلاك إيران نحو 1300 صاروخ في يونيو/حزيران 2025، ارتفع العدد إلى نحو 2500 صاروخ بحلول فبراير/شباط 2026.
وخلال الحرب التي استمرت نحو 40 يوماً في عام 2026، اعتقدت إسرائيل والولايات المتحدة أنهما تمكنتا هذه المرة من تحقيق هدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية على نحو طويل الأمد.
وشملت العمليات استهداف أكثر من 2600 موقع صاروخي وعسكري صناعي، فيما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل معاً عشرات آلاف الضربات ضد إيران.
وفي ذروة العمليات، قال مسؤولون في الجيش الإسرائيلي إن أجزاء كبيرة وصغيرة من القطاع العسكري والصناعي الإيراني تعرضت لدمار واسع، وإن القدرات العسكرية الإيرانية أصيبت بأضرار بالغة.
كيف عادت الترسانة إلى 2500 صاروخ؟
رغم الدمار، الذي قُدرت كلفته بنحو 300 مليار دولار في القطاع العسكري الإيراني، إلا إن طهران تمكنت من إعادة بناء مخزونها الصاروخي إلى نحو 2500 صاروخ.
وخلص الجيش الإسرائيلي، بعد جولات الهجمات الثلاث، إلى أن طهران تمكنت من إيجاد وسائل لتسريع إعادة بناء بعض قدراتها العسكرية، حتى في ظل الدمار الذي لحق بأجزاء من البلاد. وخلصت التقديرات الإسرائيلية إلى أن إضعاف هذه القدرات مستقبلاً يتطلب توسيع نطاق الاستهداف ليشمل عدداً أكبر بكثير من المواقع الحيوية.
وكشفت “جيروزاليم بوست” أن كبار المسؤولين في المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية باتوا يقرّون بأن طهران نجحت في ابتكار أساليب تمكنها من التركيز على إعادة بناء قدراتها الصاروخية وغيرها من القدرات العسكرية الحساسة.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد ذكرت في وقت سابق أن إيران استخدمت الجرافات لإعادة فتح “مدن الصواريخ” الموجودة تحت الأرض والمغطاة بالركام، بوتيرة أسرع بكثير مما توقعت إسرائيل.
غير أن هذا الإجراء، بحسب التقرير، يقتصر على استعادة الوصول إلى أسلحة لم تكن قد دُمرت أصلاً، وإنما جرى حجب الوصول إليها مؤقتاً.
من سؤال “كم صاروخاً تبقى؟” إلى “بأي سرعة تُعاد بناء الترسانة؟”
حتى وقت قريب، انصبّ النقاش في إسرائيل على تقدير حجم الترسانة الصاروخية الإيرانية التي نجت من الحرب، وسط تقديرات تراوحت بين 500 و1000 صاروخ بعيد المدى قادر على استهداف إسرائيل.
وكان لهذا التقدير أهمية كبيرة في ظل الاعتقاد بأن الأضرار التي لحقت بقدرات الإنتاج الإيرانية ستحدّ من قدرة طهران على تعويض خسائرها، وأنها ستبقى لسنوات أسيرة لحجم الترسانة التي تمكنت من الاحتفاظ بها بعد الحرب.
لكن المعطيات الجديدة بشأن قدرة إيران على استعادة إنتاج الصواريخ الباليستية بوتيرة أسرع من المتوقع غيّرت طبيعة هذا النقاش. فلم يعد السؤال بالنسبة إلى إسرائيل هو كم صاروخاً بقي لدى إيران بعد الحرب، بل مدى السرعة التي تستطيع بها طهران إعادة بناء ترسانتها وتعويض ما خسرته.
فإذا نجحت إيران في العودة إلى إنتاج ما بين 100 و300 صاروخ شهرياً، فبإمكانها استعادة مستويات ترسانتها التي كانت عليها في يونيو/حزيران 2025 بحلول أوائل أو منتصف عام 2027.
ومن شأن هذه التطورات أن تؤثر في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بموعد شن أي هجوم جديد على إيران، بصرف النظر عن مسار المفاوضات الجارية بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
الجيش الإسرائيلي: نراقب عن كثب
أكد الجيش الإسرائيلي أن قواته “ألحقت خلال الحرب أضراراً كبيرة بمجموعة متنوعة من المكونات الرئيسية المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، ما أضر بقدرة النظام على استخدام أجزاء من هذه القدرات، وكذلك بقدرته على إعادة تأهيلها بالمستوى والوتيرة نفسيهما اللذين كانا قائمين قبل الحرب”.
وأضاف الجيش: “منذ ذلك الحين، تابع الجيش الإسرائيلي عن كثب وبشكل متواصل الجهود الإيرانية لإعادة تأهيل قدراتها وإعادة بناء قدرات جديدة”.













