قُتل المنصوري إثر انفجار عبوة ناسفة وُضعت أسفل سيارته قرب منزله في بنغازي، بينما كان يستعد للصعود إليها، من دون أن تتبنّى أي جهة الهجوم حتى الآن، فيما فتحت السلطات تحقيقاً لكشف ملابساته.
اعلان
اعلان
ويعيد مقتل المسؤول العسكري البارز في شرق ليبيا المخاوف الأمنية إلى الواجهة، ويلقي بظلاله على حالة الاستقرار النسبي التي سادت البلاد خلال الأعوام الأخيرة.
وقد شهد غرب ليبيا بالتوازي تطوراً أمنياً آخر، بعدما استهدف هجوم بطائرات مسيّرة مصفاة الزاوية، إحدى أبرز المنشآت النفطية في البلاد.
وتسبب الهجوم في اندلاع حريق واسع داخل المصفاة، ما دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى.
انتخابات معلّقة وانقسام مستمر
تكشف التطورات الأخيرة مجدداً عمق الانقسام الذي لا يزال يطبع المشهد الليبي، بين سلطتين متنافستين في شرق البلاد وغربها، لكل منهما مؤسساتها ونفوذها على الأرض.
ففي طرابلس، تواجه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تحديات مرتبطة بالجماعات المسلحة المتنافسة على النفوذ والموارد، بينما يحافظ خليفة حفتر على نفوذ عسكري وسياسي واسع في الشرق عبر قوات “الجيش الوطني الليبي”.
وفي هذا السياق، لا يعني اغتيال مسؤول رفيع في الاستخبارات العسكرية بالشرق بالضرورة انزلاق البلاد مجدداً إلى حرب أهلية، لكنه يمثل تطوراً أمنياً لافتاً، نظراً إلى موقع المنصوري داخل أحد أبرز الأجهزة التابعة لقوات حفتر.
ويكتسب الهجوم أهمية إضافية في وقت تسعى فيه الجهود الدولية إلى دفع مسار توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بعد سنوات من تعثر العملية السياسية.
ويهدف المسار المدعوم من الأمم المتحدة إلى الوصول لانتخابات رئاسية وتشريعية تنهي الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، إلا أن غياب تسوية سياسية راسخة واستمرار وجود سلطتين متنافستين لا يزالان يعوقان إحراز تقدم حاسم.
وينعكس هذا الواقع أيضاً على الاقتصاد، في ظل ازدواجية المؤسسات والإنفاق العام، فيما ينتظر نحو 2.8 مليون ناخب مسجلين فرصة الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الوطنية.
وبذلك، يبقى الوصول إلى صناديق الاقتراع هدفاً قائماً من دون ضمانات بتحققه، فيما يعيد هجوم بنغازي التأكيد على أن تثبيت الأمن يظل شرطاً أساسياً لأي مسار يقود إلى توحيد مؤسسات البلاد.
الغاز في صلب المصالح الإيطالية
تحظى ليبيا بأهمية خاصة بالنسبة إلى إيطاليا، لا لموقعها وحساباتها الجيوسياسية فحسب، بل تمثل البلاد ركناً مهماً في استراتيجية روما للطاقة بالبحر المتوسط، في ظل الروابط الوثيقة بين قطاعي النفط والغاز في البلدين.
وتبرز في هذا السياق شركة “إيني” الإيطالية، التي تتمتع بحضور واسع في السوق الليبية عبر عدد من الشركات والمشاريع، من بينها “إيني شمال أفريقيا” و”مليته للنفط والغاز”، إلى جانب خط أنابيب “غرين ستريم”.
وينقل “غرين ستريم” الغاز المستخرج من حقلي الوفاء وبحر السلام إلى إيطاليا، ما يجعل استقرار الإنتاج الليبي عاملاً مهماً بالنسبة إلى إمدادات الطاقة الإيطالية.
وفي يونيو/حزيران 2026، خطت روما وطرابلس خطوة جديدة في تعاونهما بهذا القطاع، مع إطلاق “إيني” والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية مشروع يهدف إلى دعم إنتاج حقل بحر السلام البحري.
ومن المتوقع أن يتيح نظام الضغط الجديد استرجاع نحو 800 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً، في وقت تعمل فيه الشركة الإيطالية على توسيع استثماراتها في البلاد.
وكانت “إيني” قد أعلنت في مارس/آذار الماضي اكتشاف موارد غازية جديدة في ليبيا تتجاوز 28 مليار متر مكعب، ما يعكس حجم المصالح الإيطالية المتنامية في قطاع الطاقة الليبي، رغم استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني في البلاد.
روما بين شرق ليبيا وغربها
تتصدر ليبيا دول أفريقيا من حيث حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة، إلى جانب موارد ضخمة من الغاز، لكن استغلال هذه الثروات وضمان تدفقها يرتبطان ببنية تحتية فعّالة وبيئة أمنية مستقرة.
ومن هذه الزاوية، يكشف مقتل المسؤول العسكري البارز في بنغازي واستهداف مصفاة الزاوية خلال فترة متقاربة عن المخاطر التي تحيط بركيزتين أساسيتين في المشهد الليبي: الأمن وقطاع النفط والغاز.
بالنسبة إلى إيطاليا، تتجاوز المخاطر احتمال تأثر إمدادات الطاقة، إذ إن أي موجة جديدة من عدم الاستقرار قد تعرقل الاستثمارات، وتزيد الضغوط المرتبطة بالهجرة، فضلاً عن تعقيد إدارة البنية التحتية التي تنقل الغاز الليبي مباشرة إلى الأراضي الإيطالية.
لهذا، لا تستطيع روما التعامل مع ليبيا من بوابة طرابلس وحدها، فالانقسام المستمر بين الشرق والغرب يفرض عليها، كما على بقية الأطراف الدولية، التعامل مع واقع النفوذ المتعدد والحفاظ على قنوات اتصال مع طرفي البلاد.
وفي الوقت نفسه، يبقى توحيد المؤسسات عاملاً أساسياً لتحقيق استقرار طويل الأمد، بعيداً عن اختزال التعامل الدولي مع ليبيا في سباق على مواردها ومصالحها الاقتصادية.
وتزداد المعادلة تعقيداً مع تعدد القوى الخارجية الحاضرة في الساحة الليبية، إذ تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وتركيا وروسيا والصين، بدرجات وأشكال مختلفة، بين السياسة والأمن والطاقة والاستثمارات والبنية التحتية.
وتحافظ موسكو على حضور استراتيجي في البلاد، في حين تواصل أنقرة الاضطلاع بدور بارز، خصوصاً في غرب ليبيا.
روما تخشى عودة الاضطراب
قد يبدو هجوم بنغازي، إذا نُظر إليه بمعزل عن بقية التطورات، حادثاً لا تزال دوافعه وملابساته غامضة، لكنه يكتسب دلالة مختلفة عند وضعه إلى جانب استهداف البنية التحتية للطاقة، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر المسار نحو الانتخابات.
فليبيا لم تنزلق مجدداً إلى الحرب الأهلية، لكنها في الوقت نفسه لم تصل إلى استقرار راسخ، ما يجعل أي تصعيد أمني جديد محط اهتمام مباشر بالنسبة إلى إيطاليا.
وبالنسبة إلى روما، يعيد هذا الواقع الملف الليبي إلى صدارة الأولويات في ثلاثة مجالات رئيسية: الطاقة والهجرة وأمن البحر المتوسط، يضاف إليها التنافس المتزايد بين القوى الدولية على النفوذ في البلاد.
فكلما طال أمد الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، اتسعت مساحة تحرك الأطراف الخارجية الساعية إلى ترسيخ حضورها وتعزيز مصالحها في البلاد.
ويبقى السؤال الأبرز، إلى جانب هوية الجهة التي تقف خلف مقتل فوزي المنصوري، ما إذا كان الهجوم حادثاً معزولاً أم إشارة إلى موجة جديدة من الاضطرابات في ليبيا.
وتكتسب الإجابة عن هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى روما، في وقت تعمل فيه على تعزيز حضورها في قطاع الطاقة الليبي، ما يجعل استقرار البلاد مرتبطاً بصورة مباشرة بمصالحها في الضفة الجنوبية للمتوسط.













