قد تبدأ الحكاية بمحاولة بسيطة لكسر قيود جهاز حاسوب في المدرسة، لكنها قد تنتهي بمستقبل مهني واعد في قطاع الأمن السيبراني، أحد أكثر القطاعات طلباً وأهمية في العصر الرقمي الحالي. هذا هو الرهان الذكي الذي تتبناه الشرطة البريطانية عبر برنامج مبتكر يهدف إلى اكتشاف المراهقين الذين يمتلكون مهارات استثنائية في الاختراق الإلكتروني، وتوجيه قدراتهم نحو الاستخدام المشروع بدلاً من الانزلاق إلى عالم الجريمة المنظمة.
وسلط تقرير حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) الضوء على تجربة الشاب «لوكاس»، الذي بدأ مغامرته الرقمية في سن السادسة عشرة باخترق أنظمة الحاسوب في مدرسته مرتين. كان لوكاس مدفوعاً بالفضول والشغف التقني، ورغبته في تجاوز القيود المفروضة على الأجهزة المدرسية للوصول إلى الألعاب والمواقع المحجوبة. ويروي لوكاس أنه كان يشعر بقدر كبير من الإنجاز والانتصار كلما تمكن من تجاوز أنظمة الحماية المعقدة التي صممها مختصون محترفون، لدرجة أنه قام في إحدى المرات بتفكيك جهاز حاسوب مدرسي وأخذ بعض مكوناته إلى منزله لإجراء تجارب تقنية متقدمة عليها.
وكادت هذه التصرفات الطائشة أن تنتهي بفصله نهائياً من المدرسة وتدمير مستقبله الأكاديمي، إلا أن والدته، التي لم تكن تدرك أبعاد ما يقوم به طفلها، اتخذت خطوة شجاعة وتواصلت مع الشرطة. هذه الخطوة كانت نقطة التحول؛ حيث أُحيل لوكاس إلى برنامج حكومي متخصص في التعامل مع المراهقين ذوي المهارات التقنية العالية وتوجيههم نحو الطريق الصحيح.
كيف يعمل البرنامج البريطاني لإعادة التوجيه؟
في البداية، اعتقد لوكاس أن زيارة ضابط الشرطة لمنزله تعني مواجهة عقوبة قاسية أو السجن، لكنه فوجئ بأن الهدف كان مد يد العون له لفهم الحدود القانونية وتوجيه شغفه نحو مسار مهني قانوني ومثمر. وأوضح ضابط الشرطة “سام كوبر” أن البرنامج يبدأ بشرح العواقب القانونية الوخيمة والأضرار الفادحة التي قد تترتب على الهجمات الإلكترونية.
بعد ذلك، يتابع البرنامج المشاركين عبر جلسات إرشادية فردية مكثفة تمتد لعدة أشهر. تهدف هذه الجلسات إلى تشجيع المراهقين على دراسة التخصصات التقنية، والحصول على مؤهلات مهنية معترف بها، واستثمار قدراتهم الفريدة في وظائف رسمية تخدم المجتمع وتحميه من التهديدات الرقمية.
الأمن السيبراني كبديل استراتيجي للعقوبات التقليدية
تاريخياً، كانت الدول تتعامل مع قراصنة الإنترنت والمخترقين بأساليب عقابية صارمة تشمل السجن لسنوات طويلة والغرامات المالية الباهظة. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن هذه السياسة التقليدية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يخرج هؤلاء الشباب من السجون لينضموا إلى شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود بسبب شعورهم بالإقصاء.
من هنا، برزت فكرة الاستثمار في “الهكر الأخلاقي” كجزء أساسي من استراتيجيات الأمن السيبراني الحديثة. وبدلاً من خسارة هذه العقول اللامعة، تسعى الدول المتقدمة مثل بريطانيا إلى إعادة تأهيلهم رقمياً وسد الفجوة الكبيرة في الكوادر البشرية المؤهلة لحماية البنية التحتية الرقمية الحساسة.
أرقام وإحصائيات: تصاعد الجرائم الإلكترونية والحاجة للحلول
على الصعيدين المحلي والدولي، يمثل هذا البرنامج خطوة حاسمة لمواجهة التهديدات المتزايدة. وفي هذا السياق، أكد بول فوستر، المسؤول عن برامج الوقاية الإلكترونية في الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة، أن الجرائم الإلكترونية شهدت تصاعداً ملحوظاً ومقلقاً خلال السنوات الأخيرة. وأشار فوستر إلى أن البرنامج تعامل بنجاح مع أكثر من 1150 حالة خلال 8 أعوام، من بينها نحو 600 حالة تم تسجيلها في السنوات الثلاث الماضية وحدها، مما يعكس تسارع وتيرة الاستقطاب الرقمي للشباب.
إن تنامي انخراط المراهقين في هجمات إلكترونية معقدة تستهدف مؤسسات كبرى، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات سرقة العملات المشفرة، يفرض على المجتمع الدولي تبني مثل هذه المبادرات الوقائية. إن تحويل الطاقات السيبرانية الشابة من الهدم إلى البناء لا يحمي الاقتصاد الرقمي فحسب، بل يضمن أيضاً مستقبلاً آمناً ومستقراً للأجيال القادمة في عالم رقمي شديد التعقيد.
The post الأمن السيبراني: كيف تحول بريطانيا المخترقين لخبراء؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













