لاحقت أصابع الاتهام أعمالاً أدبية عدة، بسبب مقدّمة كتبها أحد رموز الثقافة لإصدار كاتب أو كاتبة، واستعاد نقّاد وقُرّاء ما دار من طرح عن علاقة الشاعر الراحل سعدي يوسف، برواية «ذاكرة الجسد» للروائية أحلام مستغانمي، وأخيراً استعاد مغردون الجدل حول رواية «بنات الرياض» بسبب ثناء الراحل الدكتور غازي القصيبي على كاتبتها، وربما لم تتوقف عجلة الاتهامات عن الدوران، فالكاتب سيّد محمود تم وصفه بكاتب الظلّ، بسبب كتابته مقدّمة كتاب وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين» الذي فيه نقل عن كتاب سهير عبدالحميد «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» وفي هذه المساحة مقاربات، تراوح بين التبرئة لساحة المتهمين، وبين الإقرار بصحة الدعوى.
يرى الشاعر موسى حوامدة، أنه ليست كل التقديمات متشابهة، إذ منها كتابة المجاملة. وعدّ بعض التقديمات ضرورية خصوصاً للترجمات أو كتب الأدب أو السير الصهيونية كما كان يفعل المترجم الراحل غازي السعدي في ترجمته لمذكرات بعض قادة الحركة الصهيونية، أو مثل ترجمة الدكتور عماد نبيل، وفتحي المسكيني لهايدغر، أو تقديم جبرا إبراهيم لشكسبير، مؤكداً أن كتابة المجاملات كثيرة وشائعة، لافتاً إلى أنه قرأ تقديمات لبعض الأدباء الكبار كانت مليئة بالنفاق والكذب.
فيما عدّ الشاعر نمر سعدي مقدّمة الكتاب البوابة الذهبية للنص، ويؤكد أن كتابة مقدّمة لعمل أدبي (كتاباً، أو رواية، أو مجموعة شعرية) لا تعني تلقائياً أن لكاتب المقدّمة دوراً مباشراً وحقيقياً في تأليف العمل أو صياغته أو التأثير المباشر على صاحبه. واستعاد كتابات الدكتور طه حسين، والكاتب عباس محمود العقاد، كونهما كتبا عشرات أو ربما مئات مقدّمات الكتب للآخرين من الأدباء والشعراء، ويرى أن دور كاتب المقدّمة أو المدخل النقدي في مطلع الكتاب الأدبي، يؤدي دوراً نقدياً وتحليلياً في أغلب الحالات، ويسلط الضوء على مكامن الجمال والرسائل الخفية فيه لتسهيل تلقيه من القارئ.
وأضاف: ربما يكون شهادة تزكية ودعماً معنوياً، إذ غالباً ما يطلب الكتّاب الشباب من أدباء ونقّاد معروفين كتابة مقدّمات لأعمالهم الأولى كنوع من التزكية الأدبية، أو كنوع من الوصاية الشعرية، كتقديم أمير الشعراء أحمد شوقي لديوان أمين نخلة «دفتر الغزل» بقصيدة ظريفة يشيد فيها بمكانته الشعريَّة الرفيعة على صغر سنِّه حينها.
وذهب إلى أن المقدّمات عموماً تلقي ضوءاً على جوهر الكتاب أو تختبر ذائقة القارئ وتحفِّز ذهنه على استقبال الكتاب، ما يمنح العمل الأدبي مصداقية وجاذبية أكبر في الواقع أو في السوق، لافتاً إلى أنّ إضاءة السياق تكمن في صميم التقديم عادةً، إذ يركّز كاتب المقدّمة على شرح الظروف التاريخية، أو السياسية، أو الشخصية التي وُلد فيها هذا العمل الأدبي والحالات الاستثنائية التي أحاطت بتشكُّله، وتشي المقدّمة بأدوار منها دور المترجم الذي يشرح منهجيته في الترجمة والتحديات اللغوية التي واجهته، ودور المحرر الأدبي، من مراجعة وتعديل النص وتنسيقه بالاتفاق مع المؤلف، ويتقمّص المحرر دور المحقق أو الباحث، ويرى أن ورود اسم ناقد كبير أو مفكِّر لامع في مقدّمة كتاب شعري أو فكري أو أدبي يأتي اعترافاً بقيمته وبوزنه الأدبي أو النقدي، وليس بالضرورة شراكة في الإبداع أو التأليف، ما لم يُذكر غير ذلك صراحة داخل المقدّمة نفسها.
وأوضح أن مقدّمة «ألف ليلة وليلة» للدكتورة سهير القلماوي، كتبها طه حسين، وقدّم العمل الذي عدّه من أهم دراسات الأدب الشعبي في العالم العربي، مضيفاً أن مقدّمات العقّاد عُرفت بالصرامة الفكرية، والعمق الفلسفي، والجدل التاريخي الذي يكسر القوالب التقليدية، ومنها مقدّمة «الموسوعة التيمورية» للعلامة أحمد تيمور باشا التي قدّمها العقّاد بأسلوبه النقدي والبلاغي المعروف، لافتاً إلى أن من أعمق المقدّمات للكاتب والمترجم اللبناني إسكندر حبش مقدّمته لرواية ماريو فارغاس يوسا «دفاتر دون ريغو بيرتو»، وعدّها رؤية نقدية ضافية وشاملة للنسخة العربية من الرواية، من أبرز سماتها التحليل النقدي العميق والبارع، إذ قدم حبش تحليلاً نقدياً لافتاً بنى عليه القرّاء تفكيك وفهم عوالم يوسا، معتبراً الرواية امتداداً طبيعياً وتكملة لرواية يوسا السابقة «امتداح الخالة»، علماً بأن حبش لم يترجمها، بل ترجمها صالح علماني. وأضاف سعدي: سواء كتب المقدمّة مؤلفُ الكتاب نفسه، أو أي كاتب آخر فغالباً ما تكون المقدّمة عتبة مضيئة ندخل منها إلى فهم طبيعة الكتاب وعالمه المجهول، ويراه المفتاح السحري الذي يأسر القارئ.
وعبّر الكاتب عبود الجابري عن تحفظه على الأبوة الزائفة، متمثلة في ادعاء بعض الأشخاص ملكية أعمال لم ينجزوها بأنفسهم، متكئين في ذلك على أدوار معينة، منها تطوعهم في تحرير كتاب ما، أو إبداء ملاحظات معينة يعتمدها المؤلف واضعاً إياها في نظر الاعتبار، لافتاً إلى أن عاملاً مستتراً يسهم في هذا الباب، متمثلاً في عامل لا يجرؤ البعض على التصريح به أو الإشارة إليه، حين يكون الكتاب من تأليف كاتبة مستجدة، تلجأ إلى كاتب مشهور، ليعلن أبوته الزائفة حين تتأزم العلاقة بينهما.
وعدّ من أسباب الظاهرة، الرغبة في حصاد ثمار نجاح العمل عقب انتشاره، والحاجة لتعظيم الذات، ومحاولة إعادة تشكيل الذاكرة لتحسين الصورة الذاتية، والسعي لبلوغ مكانة ثقافية مرموقة، مؤكداً أنه على الرغم من أهمية هذه الأدوار، إلا أنها لا تؤهل الشخص لاكتساب صفة المؤلف. وعدّ عدم وضوح حدود التعاون سبباً في تفاقم المشكلة.
ولم يخفِ الروائي علي عطا، انطباعه عمّن يكتبون مقدّمات لكتب لم يقرأوها أصلاً، موضحاً أنه يُعرف ذلك ليس بالتخمين وإنما بمقارنة المقدّمة بمتن الكتاب واكتشاف كم المقدّمة عامة وصلتها بما تقدّمه واهية. وعدّ ما أُثير عن سعدي يوسف ونزار قباني مندرجاً في باب الشائعات والنميمة، كون سعاد الصباح لم تقل إن نزار كتب لها وإن كان وارداً أنها فقط تأثرت بأجوائه المتعلقة بصوت الأنثى في كثير من شعره، كما أن أحلام مستغانمي لم تصرّح بأن سعدي يوسف كتب لها، موضحاً أن لكل من الكاتبتين أعمالاً ظهرت عقب رحيل هذا وذاك، ويرى أنه ربما يعهد أحدهم إلى شخص آخر بأن يكتب له، ويقال عنه «كاتب ظل» إلا أنه عادة لا يوجد ما يُستند إليه للقطع بحدوث ذلك.
وقال: لا أستسيغ أن أطلب من أحد أن يكتب مقدّمة لكتاب لي، ويمكن أن يكتب الكاتب بنفسه مقدّمة كتابه إن اقتضى الأمر ذلك، ويمكن أن يكتب الآخرون لاحقاً ما يحبون عن كتابي في مقال أو حتى في مجرد تدوينة على «فيسبوك».
لا علاقة نسب بين النص ومؤلفه
نفت الباحثة أمل صارم، التداخل بين عمل كاتب العمل الإبداعي، أياً كان جنس عمله (رواية، أو قصة، أو شعراً، أو سيرة، أو دراسة)، وعمل مقدّم العمل الإبداعي، كون من يقدّم للعمل الإبداعي يأتي دوره تالياً، إثر إفراغ المبدع ما في جعبته من أفكار، وعقب جمع المادة، وله يعود الفضل في تأليف العمل، ومقدّم العمل يبني مقدّمته على العمل وكاتبه، موضحة أنه ربما تكون المقدّمة نقداً، أو توصيفاً، أو وضعاً للعمل ضمن مساره الأدبي أو المنهجي، بحسب نوعه، أو تكون بوحاً شخصياً يسرد تقاطعات الذات المبدعة مع كاتب المقدمة، وتتناول علاقة المبدع بالآخر والعالم، وبصماته الإبداعية وآثاره الفنية، مشيرة إلى أنه لا علاقة نسب بين النص الإبداعي ومؤلفه من جهة، وبين من قدّم للعمل الإبداعي من جهة أخرى، والعلاقة بينهما علاقة سببية، نشأت بسبب العمل الإبداعي، وتشكّلت عليه.













