نشرت في
يبرز اسم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كأبرز المرشحين لخلافة دونالد ترامب بعد انتهاء ولايته. غير أن الطريق إلى كرسي البيت الأبيض، وفقاً لقراءة معمقة نشرتها صحيفة “ذي تيليغراف”، محفوف بمخاطر قد تحوّل حلمه إلى سراب.
اعلان
اعلان
فانس، البالغ من العمر 41 عاماً، والذي يوصف بأنه “أكثر شخصية انعزالية في الإدارة الأميركية وأبرز منتقد لإسرائيل”، يحاول اليوم بناء جسر بين ماضيه كناقد شرس لترامب وحاضره كظله الأقرب، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت “مرونته الفكرية” هذه ستكون ميزته أم نهاية مشواره السياسي.
البداية مع “أغنية التل”
وكان اسمه قد برز لأول مرة عبر مذكراته الأكثر مبيعاً “أغنية التل” التي صدرت عام 2016، واستعرضت نشأته في أوهايو وسط أسرة تعاني من الإدمان والفقر، وهجرة أجداده من أبالاتشيا بحثاً عن حياة أفضل.
الكتاب، الذي تحوّل إلى فيلم سينمائي عام 2020 من إخراج رون هاوارد، كان بمثابة بطاقة تعريف لفانس كصوت لفئة أميركية مهمشة. لكن التحوّل الكبير حدث مع كتابه الثاني “المشاركة” الذي صدر الشهر الماضي، والذي يتناول ظاهرياً رحلته نحو الإيمان، وترى “التيليغراف” فيه “بياناً سياسياً متكاملاً” يهدف إلى ترسيخ مكانته كزعيم طبيعي لحركة “ماغا” (اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى).
وتلفت الصحيفة إلى أن الانتقال من “الرثاء” في كتابه الأول إلى “البيان” في كتابه الثاني، يعكس تحولاً استراتيجياً في مسار فانس من كاتب مذكّرات إلى “مهندس أيديولوجي يطمح لقيادة المحافظين الجدد”.
ويرسم التقرير صورة لسياسي يعجّ بالتناقضات، الأمر الذي قد يُقرأ على نحوين: إما كمرونة سياسية تتيح له مخاطبة شرائح متعددة، أو كغياب للقناعات الثابتة.
ففانس من جهة مثقف شعبوي، وصحفي عسكري سابق يهاجم وسائل الإعلام باستمرار، وهو كاثوليكي متديّن لكنه ينتقد البابا لتدخله في السياسة الأميركية، وقد هاجم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لكنه “اختبأ عندما اندلعت الحرب مع إيران” حسب تعبير الصحيفة.
كما يوصف بأنه أحد أقوى الرجال في البلاد، ومع ذلك يروّج لنظريات المؤامرة حول “الدولة العميقة”. صنع اسمه كناقد لترامب ووصفه سابقًا بـ”هتلر أميركا”، لكنه أصبح الآن أقرب حلفائه ويدافع عنه بشراسة.
وهذه الازدواجية، بحسب مارك شورت، المستشار الجمهوري المخضرم، تجعل فانس قادراً على أن يكون “مرناً في قناعاته – إن كان يملك أيّاً منها”، في إشارة إلى إمكانية تغيير مواقفه حسب ما يمليه السياق السياسي.
الحرب على إيران تضعه في مأزق
وكان فانس في قلب مواجهة سياسية محمومة بعد أن وافق على مذكرة تفاهم مع إيران في يونيو الماضي، والتي تضمنت رفع عقوبات وتحرير أصول مجمّدة بقيمة نصف تريليون دولار، إضافة إلى إنشاء “صندوق إعادة إعمار”.
الاتفاق، الذي وصفه منافسه تيد كروز (عضو مجلس الشيوخ عن تكساس) بأنه “منح مليارات الدولارات لمجانين ثيوقراطيين يريدون قتلنا”، انهار بعد ثلاثة أسابيع فقط، مع عودة التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران وتوقف حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يقول رود دريهر، مستشار فانس السابق، إن نائب الرئيس كان “مصدوماً” عندما شنّ ترامب الحرب على إيران في 28 فبراير، معتبراً أن فانس يحاول الآن حماية الولايات المتحدة من “كارثة أكبر من صنع ترامب نفسه”.
لكن هذا الموقف جعله يبدو في نظر البعض “خاسراً سياسياً” يحمل “عبء حرب غير شعبية حول عنقه”. في المقابل، يرى آخرون أن كون فانس “مفاوضاً فاشلاً” قد يكون أفضل من أن يُنظر إليه كمحارب، وهو ما قد يفسر محاولاته المستميتة للخروج من هذا المأزق دون أن يفقد تأييد قاعدة “ماغا” التي لا تزال تدعم الحرب بأغلبية ساحقة، وفق استطلاعات الرأي.
الموقف تجاه إسرائيل
وللمفارقة، يسجّل فانس مواقف نادرة لمسؤول أميركي بهذا المستوى تجاه إسرائيل، حيث وصف قيادتها بأنها أصبحت “منبوذة دولياً”، وحذّر من أن “القتل طريقهم للخروج من المشاكل الأمنية لكنه لن يحلّ شيئاً”.
هذه التصريحات، التي جاءت في حديثه بالبيت الأبيض يونيو الماضي وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، تعكس تحولاً في الرأي العام الأميركي، خاصة بين الناخبين الشباب، تجاه الحرب في غزة ولبنان، وهو تحول بدأ يفكك الإجماع التقليدي الداعم لإسرائيل على جانبي اليسار واليمين.
غير أن التقرير يحذّر من أن فانس “قد يدفع ثمناً باهظاً لهذا الموقف”، إذ إن الجناح المؤيد لإسرائيل لا يزال قوياً داخل الحزب الجمهوري، خاصة بين الناخبين الأكبر سناً الذين يصوتون بكثافة. ويرى استراتيجيون مثل ريك تايلر أن “فئة أصغر وأكثر صوتاً تتعاطف مع رسالة فانس، لكن الفئة الأكبر تصوّت بأعداد أكبر”.
علاقته مع ترامب
أما التحدي الأكبر الذي يواجه فانس يتمثل في علاقته المعقدة مع ترامب نفسه، الذي يستمتع كما يبدو باللعب بـ”لعبة العروش” بين نائبه ووزير خارجيته ماركو روبيو، مُبقياً الجميع في حالة ترقب وعدم يقين، حسب الصحيفة.
فانس يدرك أن تأييد ترامب هو “القوة الأكثر تأثيراً في المحافظة الأميركية”، وأن الترشح دون مباركته قد يكون مصيراً سياسياً محتوماً، تماماً كما حدث مع كثيرين قبله ممن ظنوا أنهم يستطيعون تجاوز الرئيس أو مخالفته.
ويقول شورت إن الطريق أمام فانس “وعر”، محذّراً من أن الأخير قد يكون ارتكب خطأً كبيراً إذا ظن أنه استوعب جوهر حركة “ماغا” ومؤيديها. ففي نظر كثيرين، هذه الحركة ليست مشروعاً سياسياً قائماً بذاته، بل هي “مجرد عبادة شخصية تتمحور حول ترامب، وأي سعي خلف هذا السراب لن يفضي إلا إلى خيبة أمل”.
في موازاة ذلك، يُشبّه فانس نفسه بالرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي فاز في انتخابات 1972 بأغلبية ساحقة شملت 49 ولاية، مستنداً إلى ما عُرف بـ”الأغلبية الصامتة”. يرى فانس أن هذه الأغلبية ما زالت موجودة رغم التحولات الديموغرافية، ويعتقد أنه الشخص المناسب لمخاطبتها والتواصل معها، مستعيناً بلغة كتابه الجديد.
لكن السؤال الذي يظهر في التقرير هو: هل هذه الأغلبية حقيقية، أم أنها مجرد وهم يسعى خلفه فانس، بينما تظل حركة “ماغا” أسيرة شخص ترامب، ولا يمكن توريثها لأحد؟
في المحصلة، يرى التقرير أن فانس يقف عند مفترق طرق حاسم: يحاول أن يكون وريثاً لترامب من دون أن يكون نسخة منه، مناوئاً للتدخلات العسكرية لكنه مضطر لإدارة حرب، محافظاً دينياً لكنه يتبنى خطاباً شعبوياً، وناقداً لإسرائيل لكنه لا يجرؤ على كسر إجماع الحزب بالكامل.
وهو أمام خيارين: إما أن يحوّل تناقضاته إلى مرونة سياسية تخدمه في حملته، وإما أن تنقلب عليه لتكون عبئاً يفضي به إلى الهزيمة أمام منافسين أكثر وضوحاً وثباتاً، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو أو تيد كروز. وفي كل الأحوال، يبقى ترامب هو من يدير هذه المعادلة المعقدة.













