نشرت في
زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، أن بعض القرى المسيحية في جنوب لبنان طلبت ضمها إلى إسرائيل من أجل “حمايتها من مقاتلي حزب الله”.
اعلان
اعلان
جاء ذلك في مقابلة أجراها مع برنامج “The Sunday Briefing” على قناة “فوكس نيوز”، حيث صرّح قائلًا: “ثمة قرى مسيحية في لبنان، وقد طلب بعضها بالفعل الانضمام إلينا، لأننا نحميها من حزب الله والمتطرفين الذين يسعون إلى إبادتهم، ونحن نفعل الشيء نفسه مع المسيحيين أينما حلّوا.”
ويُقدَّر عدد القرى المسيحية في جنوب لبنان بما بين 15 و20 قرية، تتمركز غالبيتها في قضاء مرجعيون، والشريط الحدودي، وقضاء جزين. غير أن نتنياهو لم يُسمِّ القرى التي ادّعى أنها تقدمت بهذا الطلب، في وقت قوبلت تصريحاته برفض لبناني قاطع.
فقد أكد رئيس بلدية رميش، حنا العميل، أن مجرد التداول بهذه الفكرة “مرفوض رفضًا باتًّا”، مشيرًا إلى أن 15 بلدة مسيحية أصدرت، قبل يومين، بيانًا تنفي فيه هذه المزاعم، وتجدد تمسكها بأرضها، وتؤكد ولاءها لهويتها الوطنية وتمسكها بالعلم اللبناني، وذلك وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام.
سيناريو شبيه بالسويداء؟
ويستدعي هذا التطور في الذاكرة اللبنانية مشاهد مشابهة شهدتها المنطقة مؤخرًا، ولاسيما في محافظة السويداء السورية، حيث أبدت إسرائيل استعدادها لحماية الأقلية الدرزية هناك، عقب تولي الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع مقاليد السلطة، وبروز أصوات دعت إلى الانضمام إلى إسرائيل، على غرار دروز الجولان المحتل.
بيد أن السياق اللبناني يحمل من الفروق ما يجعله مختلفًا جوهريًّا، إذ إنها المرة الأولى التي يُطرح فيها مثل هذا الطرح، وفي توقيت بلغ من الحساسية مبلغًا كبيرًا، إذ يعيش لبنان حالة استقطاب سياسي وطائفي حاد، على خلفية الخلافات الدائرة حول ملف نزع سلاح حزب الله، وجدوى الدخول في الحرب، ومآلات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والتي رعتها الولايات المتحدة.
حساسية اللون الأزرق
وفي العام الماضي، كان أهالي الجنوب قد هاجموا بلدية رميش، عقب تداول صور على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر أرصفة الطرق والحواجز الحديدية في البلدة الحدودية مطلية باللونين الأزرق والأبيض، على غرار ما كانت عليه معظم القرى الحدودية، ومنها رميش، إبَّان حقبة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان قبل عام 2000.
وحينها، دافع العميل عن هذا الطلاء، معتبرًا أنه “اقتداء بلون قوات اليونيفيل، في إشارة إلى السلام”، مضيفًا أن “ثوب السيدة العذراء لونه أزرق وأبيض”، ومؤكدًا أن “بلدية رميش أكثر وطنية من كثيرين”.
وتتراكم هذه الملفات لترفع منسوب التوتر الطائفي، حيث رجّح المحلل العسكري للقناة 13 الإسرائيلية، عقب التوقيع على الاتفاق الإطاري بين بيروت وتل أبيب، أن ينفجر صراع داخلي في لبنان، معتبرًا أن إسرائيل ستستفيد من تأجيج المواجهة بين المؤسسة الرسمية والتنظيم المسلح.
وقد زادت وطأة هذه القراءات مع أنباء عن قطيعة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس اللبناني جوزاف عون، وتزامن ذلك مع معلومات حول سعي عون لإقالة قائد الجيش رودولف هيكل في هذه المرحلة الدقيقة. وكان بري قد حذّر اللبنانيين مما وصفه بـ”الفتنة”، داعيًا إلى ضبط النفس، بقوله: “يا أهلي في لبنان كل لبنان إنها الفتنة.. كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب”.
ذكرى جيش لحد
من جهة أخرى، يُعيد حديث نتنياهو إحياء “وتر حساس” في الذاكرة اللبنانية، إذ يستدعي ما عُرف بـ”جيش لبنان الجنوبي”، الذي تشكّل إبَّان الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد، بقيادة الرائد سعد حداد، الضابط المسيحي المنشق عن الجيش اللبناني. وقد شكّل المسيحيون، ولا سيما الموارنة والروم الأرثوذكس، النسبة العظمى من قوام تلك الميليشيا المدعومة إسرائيليًّا، إذ بلغت نسبتهم نحو 67% من المقاتلين في منتصف الثمانينيات.
أمّا على الأرض، فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة، تعرّضت بعض القرى المسيحية في جنوب لبنان للقصف المدفعي والغارات الجوية الإسرائيلية، إضافة إلى موجات النزوح والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية.
ورغم أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي، آثر معظم الأهالي البقاء في قراهم، صونًا لمنازلهم وكنائسهم وأراضيهم الزراعية، في حين شهدت بعض البلدات عمليات إخلاء جزئية أو كلية.
كما وجّه الجيش الإسرائيلي تحذيرات إلى عدد من القرى ذات الغالبية المسيحية، عبر الاتصال برؤساء البلديات، مطالبًا إياهم بعدم السماح بدخول “غرباء”، في إشارة إلى مقاتلي حزب الله.
وفي الموازاة، شدّد نتنياهو، خلال مراسم رسمية الأحد، على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل وجوده في جنوب لبنان “طالما اقتضت الضرورة ذلك لحماية سكان الشمال وجميع مواطني إسرائيل”.
كما زار رئيس أركان الجيش، الفريق إيال زامير، القوات المتمركزة قرب قلعة الشقيف، متعهدًا بمواصلة العمل “بحزم لإزالة التهديدات من الأراضي اللبنانية”.
يُذكر أن الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، بهدف تمهيد الطريق لإنهاء دائم للأعمال العدائية، لم يفلح حتى الآن في وقف الاشتباكات المستمرة بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله، وذلك في ظل غياب آليات تنفيذ واضحة، وتباين في تفسير بنوده بين الطرفين، الأمر الذي يُبقي المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.













