في تطور أمني بارز يعكس حجم التحديات المستمرة في منطقة الساحل الأفريقي، أعلن الجيش المالي أن الوضع الميداني بات تحت السيطرة الكاملة، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات المنسقة التي شنها مسلحون واستهدفت خمس مدن وبلدات استراتيجية. وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء مجدداً على التعقيدات الأمنية التي تواجهها الحكومة العسكرية في باماكو في سعيها لبسط نفوذها على كامل الأراضي الوطنية.
تفاصيل العمليات الميدانية ورد الجيش المالي
شنت جماعة متمردة مسلحة، تقودها حركات الطوارق، هجوماً واسعاً صباح يوم السبت على بلدة أنيفيس الواقعة في منطقة كيدال بشمال شرقي مالي. وتكتسب هذه البلدة أهمية بالغة نظراً لتواجد قوات حكومية مدعومة بعناصر شبه عسكرية روسية فيها. وفي سياق متصل، أفاد سكان محليون في منطقتين أخريين بشمال ووسط البلاد بسماع دوي إطلاق نار كثيف وانفجارات متتالية، مما أثار حالة من الذعر بين المدنيين.
من جانبه، صرح محمد المولود رمضان، المتحدث باسم “جبهة تحرير أزواد”، لوكالة رويترز للأنباء، بأن مقاتلين تابعين للجبهة هم من نفذوا الهجوم المباغت على بلدة أنيفيس. وفي مدينة جاو بوسط البلاد، أكد مسؤول محلي تعرض معسكر للجيش لإطلاق نار وقذائف صاروخية، دون أن تتضح على الفور هوية الجهة المسؤولة عن هذا الهجوم المحدد.
الجذور التاريخية للصراع في إقليم أزواد ومدينة كيدال
لفهم طبيعة هذا التصعيد، يجب النظر إلى السياق التاريخي والجغرافي لمدينة كيدال والمناطق المحيطة بها. تقع كيدال على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو، وتستغرق الرحلة إليها نحو 24 ساعة بالسيارة، مما يجعل إدارتها أمنياً تحدياً لوجستياً كبيراً. يبلغ عدد سكان المدينة نحو 55 ألف نسمة، أغلبيتهم الساحقة من قبائل الطوارق، وقد شهدت المنطقة مؤخراً تدفقاً لآلاف النازحين الفارين من بطش تنظيم “داعش” الإرهابي في منطقة ميناكا.
تزخر هذه المنطقة الصحراوية بثروات طبيعية هائلة، أبرزها مناجم الذهب ومعادن نفيسة أخرى، مما جعلها بؤرة صراع مستمرة وهدفاً استراتيجياً للجماعات المسلحة. ظلت كيدال خاضعة لسيطرة المتمردين لنحو عقد من الزمن، قبل أن تتمكن القوات المالية، بدعم مكثف من مقاتلين روس يعملون حالياً تحت مظلة “فيلق أفريقيا”، من استعادتها في أواخر عام 2023.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد الأمني في مالي
يعد هذا الهجوم الأحدث ضمن سلسلة من التحديات الجسيمة التي تواجه الحكومة العسكرية في مالي. ففي شهر أبريل الماضي، شن المتمردون هجمات نوعية استهدفت مطار العاصمة باماكو، وأسفرت عن اغتيال وزير الدفاع، فضلاً عن السيطرة المؤقتة على عدة قواعد عسكرية في الشمال. هذه الأحداث المتلاحقة تؤكد أن الصراع لم يعد محلياً فحسب، بل يحمل أبعاداً إقليمية ودولية عميقة.
على الصعيد الإقليمي، يهدد هذا التصعيد بانتقال عدوى عدم الاستقرار إلى الدول المجاورة، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، اللتين تعانيان من تحديات أمنية مشابهة. أما دولياً، فإن التحول في التحالفات الاستراتيجية لمالي، والمتمثل في الاعتماد المتزايد على الدعم العسكري الروسي، يجعل من منطقة الساحل ساحة تنافس جيوسياسي. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في أبريل الماضي أن قواتها أحبطت محاولة انقلاب في مالي، مما يؤكد عمق الانخراط الروسي في المشهد الأمني والسياسي للبلاد.
The post الجيش المالي يعلن السيطرة بعد هجمات متمردي الطوارق appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













