الشيخوخة أو كبر السن ليست مجرد عدد من السنوات يبلغها الشخص.. بل هي عملية معقدة تتداخل فيها الجوانب الجسمية والنفسية وكذلك نمط الحياة، فقد نرى شخصين في العمر نفسه فنجد أن أحدهما يبدو شابا وأكثر حيوية، بينما يبدو الآخر أكبر سنا ومتعب الملامح. هنا يتبادر إلى ذهننا هل الشيخوخة مرتبطة بالسن فقط أم أن هناك عوامل أخرى تؤخرها أو تسرعها؟.
يقول الطبيب السويسري كارل يونج (1875-1961): ان الإنسان لا يشيخ عندما يكبر، إنما يشيخ عندما يفقد حماسه وولعه الشديد تجاه الحياة، هذا الحماس قد يكون سببه هدفا يرنو إلى إنجازه أو هواية يستمتع بها، ويمثل ذلك القوة الدافعة الداخلية التي تجعله مخلصا ومستمتعا بما يفعله، ويمنحه ذلك طاقة ورغبة مستمرة في الإنجاز والاستمرار في العمل. وهذا المعنى يفتح بابا واسعا ومهما لفهم الشيخوخة المبكرة.. إن فقدان الدافع والمعنى في أن نعيش حياة هنية وسعيدة ينعكس كله مباشرة على الجسم والروح.
وقد ثبت أنه من أحد أهم الأسباب التي تسرع الشيخوخة هو التوتر النفسي المستمر، وقد بين كثير من العلماء والدراسات الحديثة أن الضغوط النفسية المستمرة تؤثر على الهرمونات التي يفرزها الجسم، ويؤكد الطبيب الكندي ومؤسس علم الإجهاد هانس سیلیه (1907-1982) أن «التوتر ليس ما يحدث لك، بل هو طريقة استجابة جسمك لما يحدث».
وتعتبر الهرمونات هي المحرك الأساسي للحالة النفسية، حيث تفرز بعض الغدد مثل الدرقية والكظرية مواد كيميائية تنظم استجابة الشخص للمواقف.. وعند حدوث أي مؤثر خاصة إذا كان مزمنا فإن ذلك يؤدي إلى خلل في تلك الهرمونات، وهذا مما يؤدي إلى تغيرات عضوية ونفسية. فمثلا هرمون الكورتيزول (ويسمى هرمون التوتر الأساسي) فهو يفرز نتيجة استجابة للضغوط لزيادة طاقة الجسم، ولكن عندما يستمر إفرازه ويزيد عن حاجة الجسم فإنه يسبب التوتر المزمن والأرق، وضعف المناعة، وتقلب سكر الدم، بينما زيادة إفراز هرمون الأدرينالين تؤدي إلى سرعة ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، وتكرار إفرازه يسبب نوبات من القلق والعصبية، لذلك يسمى هذان الهرمونان بهرموني الاستجابة للتوتر.
أما نقص هرمون السيروتونين فهو يرتبط بظهور أعراض الاكتئاب والقلق وعدم الاستقرار وسوء المزاج. كما أن زيادة إفراز هرمون الغدة الدرقية تسبب حالات من القلق والتوتر وتسارع ضربات القلب، وعند نقصه يؤدي ذلك إلى الخمول والكسل.
إذن، فإن استمرار حالة التوتر دون توازن أو تفريغ صحي يجعل حالة الجسم في حالة إنهاك شديد ومستمر، وهذا مما يسرع علامات التعب والإنهاك والشيخوخة.
وقد قامت جامعة هارفارد بإجراء دراسة تعد من أطول الدرسات التي تابعت حياة البشر وتوصلت إلى أن:
٭ الأشخاص الذين عاشوا حياة طويلة وأكثر صحة هم من كانوا يملكون علاقات دافئة.
٭ ترتبط الوحدة والعزلة بزيادة الأمراض والاكتئاب وضعف الذاكرة.
٭ وجود علاقات إيجابية وعميقة في منتصف العمر مؤشر قوي للصحة في الشيخوخة.
ويقول مدير الدراسة الحالي روبرت والدينغر (1951) وهو طبيب نفسي أميركي وأستاذ غير متفرغ في كلية الطب بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب The Good Life «إن العلاقات الجيدة تحافظ على سعادتنا وصحتنا».
ان قلة الحركة والجلوس لمدة طويلة وسوء التغذية وقلة النوم كل ذلك عوامل تؤدي إلى ضعف الجسم ووهنه، د. مايكل غريفز (1972) وهو طبيب مختص في التغذية السريرية وزميل الكلية الأميركية لطب نمط الحياة، وله كتاب بعنوان: «كيف لا تتقدم بالعمر» صدر 2025 ويعد هذا الكتاب الأكثر مبيعا في «نيويورك تايمز»، يقول «ما نأكله يوميا يمكن أن يكون أقوى دواء أو أخطر من أي سم بطيء». وهذا يبين أن الغذاء ليس مجرد عادة، بل عامل حاسم في سرعة أو بطء الشيخوخة.
كما أن للنوم العميق دورا أساسيا في تجديد الخلايا حيث يقوم الجسم بإصلاح نفسه، ولذلك فإن اضطراب النوم المستمر والسهر يؤديان إلى الإرهاق، وقد أشار عالم الأعصاب البريطاني ما ثيو ووكر (1974) في كتابه Why We Sleep «ان النوم هو أقوى وسيلة نملكها لإعادة ضبط صحة الدماغ والجسم». ان قلة النوم تؤدى إلى تسريع شيخوخة القلب والرئتين، كما أن قلة النوم أيضا تضعف قدرة خلايا الجلد على إصلاح نفسها، مما يؤدى لظهور التجاعيد والهالات السوداء حول العيون.
ويقول د.أحمد سالم باهمام، وهو استشاري أمراض الصدر وطب النوم بجامعة الملك سعود، ان النوم ليس مجرد راحة، بل هو عملية نشطة يمر فيها الجسم بدورات متعددة (نوم خفيف، نوم عميق، حركة عين سريعة) وأن النوم العميق يجدد الجسم والذاكرة، كما أن الأحلام تساعد في معالجة المشاعر، وأن نقص النوم يؤثر على التركيز والذاكرة والمناعة وضغط الدم، ويقول: إن قلة النوم أو سوء جودته تسرع الشيخوخة البيولوجية.
وهناك جانب مهم يغفل عنه كثيرون وهو يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة وهو الحالة النفسية والأمل والتفاؤل ووضع هدف إيجابي للحياة، كل ذلك له أثر إيجابي ومباشر على الصحة، وقد لخص الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل (1905 ـ 1997) هذا الكلام بجملة واحدة هي «من لديه سبب ليعيش من أجله يستطيع أن يتحمل أي شيء»، وهذا يعطي معنى للحياة وان كان هناك هدف نريد تحقيقه فإن ذلك قد يكون أهم عوامل مقاومة الشيخوخة النفسية والجسمية معا.
ويصف ابن سينا (ت 980) الشيخوخة المبكرة فيقول: شخص في منتصف العمر يفقد الطاقة والحماس قبل أوانها بسبب شيء سلبي في داخله فتجف رطوبته وتخبو حرارته فيبدو عليه الهرم والكهولة وهو لم يبلغ بعد الخمسين، فيبدأ بالتصرف كشيخ، ويرى ابن سينا أن الاعتدال النفسي والجسمي والتفاؤل والأنشطة المفرحة تعطي الجسم قوة.
أما الرازي (865-925) فقد ركز على الوقاية من التدهور المبكر عبر نمط حياة متوازن: غذاء معتدل، رياضة خفيفة، تجنب الإفراط في الشهوات أو الحزن، واهتم كثيرا بالعلاقة بين النفس والجسم وربط بين الاستسلام للحزن والوسواس وأن ذلك يضعف الجسم ويؤدي إلى تسارع الشيخوخة، أما ابن الجزار القيرواني (898-980) وهو طبيب ولد في القيروان، فقد ألف كتابا مشهورا اسمه «طب المشايخ وحفظ صحتهم» وهو من أوائل الكتب المتخصصة في رعاية كبار السن، تحدث فيه عن ضعف القوى مع تقدم العمر وكيفيه المحافظة على النشاط الذهني والجسمي. وأشار ابن النفيس (1210-1288) إلى أن المحافظة على توازن الجسم والنفس يساعد على إطالة العافية وتقليل مظاهر الضعف المبكر، ويبين من كلام الأطباء العرب والمسلمين أن فكرتهم العامة تقوم على أن الإنسان قد «يشيخ قبل أوانه» إذا اختل توازنه الجسمي أو النفسي، لذلك فإنهم ركزوا على:
٭ الاعتدال في الأكل.
٭ النشاط البدني.
٭ صفاء النفس وتقليل الهم.
٭ النوم المنتظم.
٭ تجنب الإفراط في الشهوات.
٭ الاستمرار في العمل والحركة الذهنية.
وتعد العبارة التي قالها ابن سينا: إن كثرة الخمول تضعف الحرارة الغريزية في البدن وهي عندهم أصل الحيوية والنشاط، وفي كل الأحوال ان جميع ما ذكروه يقترب من المفاهيم الحديثة حول تأثير نمط الحياة والضغوط النفسية والعلاقات الاجتماعية على الشيخوخة المبكرة.
ولم تكن الشيخوخة في نظر الشعراء القدامى مجرد ضعف في الجسم، بل كانت إحساسا عميقا بتغير الإنسان وفقدان بعض ما يملكه من قوة وحيوية، وقد عبر الشعراء العرب عن هذه التجربة الإنسانية بصدق.
كان الشاعر القديم يرى في ظهور الشيب «رسالة من الزمن» وربطوا بين الشيخوخة المبكرة والحزن والتجارب القاسية، وهذا ما يؤكده الباحثون العلميون في هذا الزمان. ولم يكن الشاعر القديم يصف الشيب كونه علاقة جسمية فقط، بل كان يراه شاهدا على ما يمر به الإنسان من أفراح وأحزان، يقول أبو الطيب المتنبي (915-965):
والهم يخترم الجسيم نحافة
والشيب ناصية الصبي ويهرم
يبين هذا الشاعر الكبير أن الهموم والضغوط تنخر الجسم القوي وتجعله نحيفا ضعيفا ويشيب شعر الصبي ويهرمه قبل أوانه. ونفس الشاعر يقول:
وما مرض الأجسام إلا كما ترى
ومرض النفوس أشد وأقتل
وهنا يؤكد أن ما يفتك بالإنسان ليس العمر وحده، بل ما يعتري النفس من هموم وآلام. ويقول ابن الرومي (836-896):
أرى شيب رأسي لاح قبل أوانه
ولم يبلغ الأربعين سني الرجل
وما ذاك من مر السنين وإنما
أشاب عذاري خطوب الدهر والعلل
وهنا يؤكد أن الشيخوخة ليس سببها مرور السنوات، بل هي طعنات الدهر والعلل النفسية والجسمية.
بقلم: الأمين العام للمركز العربي
لتأليف وترجمة العلوم الصحية
أ.د.مرزوق يوسف الغنيم












