- إدراج الديوانية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى «اليونسكو» يعكس مكانة الكويت الحضارية
في رحاب ديوانيات الكويت تلتقي ذاكرة التاريخ بنبض الحاضر في امتداد حي يفيض بدفء إنساني خاص، حيث يتجلى في أركانها صفاء التلاحم والترابط المجتمعي لتغدو منبرا اجتماعيا وثقافيا يمتد إشعاعه عبر الأجيال ورمزا راسخا في الوجدان الإنساني يختزل أصالة التراث وتفرده.
وترسخت الديوانية في عمق الهوية الكويتية منذ البدايات الأولى لتشكل المجتمع فحجزت لها مكانا أصيلا في تصميم البيت الكويتي بوصفها مجلسا مستقلا تشرع أبوابه للضيوف، وتلتقي في أرجائه القيم والعادات. وقد تسامى فيها الكرم والانفتاح والتواصل الاجتماعي، وامتزجت في أرجائها قعقعة فناجين القهوة العربية بعبق البخور الفواح وماء الورد الزلال في ترحيب صامت يهيئ أجواء حافلة بالحوار تمتد من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى قضايا الوطن الكبرى. ويتجلى الامتداد التاريخي العريق للديوانيات في الكويت من خلال أدوارها المتشعبة بما يؤكد أن فلسفة هذا الكيان منذ نشأته قامت على ركيزتين أساسيتين: الحوار المجتمعي والمسؤولية المشتركة تجاه الفرد والدولة على حد سواء، وهو ما جعلها جسرا فاعلا لترسيخ القيم الوطنية ومساحة تتلاشى فيها الحواجز بين مختلف مكونات المجتمع.
وعلى مر العقود تجاوزت الديوانية دورها كملتقى اجتماعي لتتحول إلى مدرسة عفوية ومحراب لنقل إرث الأجداد إلى الأحفاد يسقي الأجيال الناشئة قيم الكرم المتأصل ويغرس في وجدانهم بذور المسؤولية المجتمعية ضمن منظومة قيمية متوارثة تجسد في تفاصيلها صور التماسك والأصالة الكويتية.
منصة وطنية نابضة
ومع بزوغ فجر الدولة الحديثة تحولت الديوانية إلى منصة وطنية نابضة رسخت ثقافة الشورى والمشاركة المجتمعية وشرعت أبوابها لندوات فكرية وأمسيات شعرية وملتقيات سياسية واقتصادية صاغت ملامح الوعي العام حتى غدت ركيزة أساسية في الحياة العامة ومكونا رئيسا من مكونات التراث الثقافي غير المادي. وتتويجا لهذا الإرث العريق أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» الديوانية الكويتية ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي عام 2025 بما يمثل شهادة عالمية لدورها الريادي في صياغة قيم الحوار والتسامح وإقرارا أمميا بكونها ممارسة إنسانية واجتماعية نابضة بالحياة تجسد هوية المجتمع وتاريخه الممتد عبر الأجيال.
ويبرز هذا الاعتراف الدولي إرادة الدولة في تحويل الموروث الوطني من حيز الممارسة اليومية إلى وثيقة إنسانية عالمية عابرة للحدود ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز حضور الكويت بالمحافل الدولية واستدامة هذا الإرث الحي ونقله للأجيال المقبلة كنموذج فريد للتواصل الإنساني والاجتماعي.
وأكد الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالتكليف محمد بن رضا لـ «كونا»، أن إدراج الديوانية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو كملف منفرد للكويت يعد إنجازا وطنيا وثقافيا يعكس مكانتها الحضارية وحرصها على صون تراثها الحي والمحافظة على عناصر هويتها الثقافية الأصيلة.
وأوضح بن رضا أن هذا الاعتراف الدولي يؤكد أن الديوانية ليست مجرد تقليد اجتماعي بل ممارسة ثقافية إنسانية أسهمت تاريخيا في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتلاحم المجتمعي وكانت ولاتزال فضاء لتبادل الرأي ونقل القيم بين الأجيال بما يعزز الهوية الوطنية ويعمق الانتماء المجتمعي.
بدوره أكد رئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبد الجليل في تصريح مماثل لـ «كونا» أن الديوانية أدت دورا كبيرا في تاريخ الكويت وارتبطت بتأسيسها حتى أصبحت جزءا من ثقافتنا وهويتنا الوطنية، وهو الأمر الذي أدرجها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.
وسلط العبدالجليل الضوء على دور الديوانيات العلمي والثقافي الضارب في الجذور، مشيرا إلى انطلاق تأسيس مدرسة المباركية التي تعتبر أول مدرسة نظامية في الكويت عام 1911 من ديوان الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، إلى جانب استضافة ديوانية أسرة شعيب في جزيرة فيلكا أول مدرسة نظامية في الجزيرة وهي المدرسة الصلاحية الأميرية عام 1937.
تثقيف المجتمع
من جانبه، ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر د.عايد الجريد أن أغلب المشاريع الإصلاحية والتعليمية والثقافية في الكويت انطلقت أفكارها من الديوانيات مثل مجلس الشورى الذي طرحت فكرته في ديوانية ناصر البدر بالحي القبلي عام 1921 والمدرسة المباركية التي نوقش أمرها في ديوانية يوسف القناعي، وأيضا فكرة تأسيس النادي الأدبي الكويتي في ديوانية الشيخ عبدالله الجابر الذي تأسس عام 1924 ويعد أول مؤسسة مجتمع مدني في تاريخ الكويت.
الديوانيات النسائية
وفي سياق التحولات العصرية لم تعد الديوانيات حكرا على الرجال، إذ شهد العصر الحديث انتشارا لافتا للديوانيات النسائية التي أصبحت منصات جوهرية لاجتماع السيدات وتبادل الآراء بينهن حول مختلف القضايا.
وساهم ذلك بشكل مباشر في تعزيز دور المرأة في الحياة العامة وتفعيل حضورها في المشهدين الثقافي والاجتماعي إضافة إلى تحول هذه التجمعات إلى مراكز انطلاق للمبادرات التطوعية والأنشطة النوعية التي تخدم المجتمع.
ورغم الحداثة التي تغلف الديوانيات النسائية فإن بعض المراجع البحثية تشير إلى أن هذه التجمعات تمتلك جذورا ضاربة في القدم حيث كان النساء في الماضي يعقدن اجتماعات دورية تركز في جوهرها على الجوانب الإنسانية عبر مناقشة أحوال المعوزين والمعسرين والبحث عن حلول لمشاكلهم. وعن المشاركة النسائية في الديوانيات أوضحت الكاتبة سعاد المعجل أن أي حديث عن هذه الديوانيات لابد أن يسبقه حديث عن دور المرأة الكويتية والذي أفرز هذا التقليد وبشكل مباشر. وأكدت المعجل أن المرأة الكويتية لم تكن تعيش على هامش المجتمع، بل كانت فاعلة اجتماعيا واقتصاديا في حقبة الغوص والسفر، حيث تحملت آنذاك مسؤولية إدارة الأسرة ثم تكللت مطالباتها في العام 1937 بافتتاح مدارس البنات النظامية، وتبع ذلك مشاركتها السياسية والبرلمانية اثر إقرار حقوقها في العام 2005.













