بعد غياب دام 24 عاماً من الانتظار والترقب، عادت كرة القدم التركية لتكتب تاريخاً جديداً بحجز بطاقة العبور إلى نهائيات مونديال 2026. هذا الإنجاز التاريخي لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة عمل دؤوب ورؤية فنية ثاقبة قادها المدرب الإيطالي المحنك فينتشينزو مونتيلا، الذي نجح بفضل انضباطه التكتيكي العالي في تحويل مسار منتخب لطالما طغت عليه الحماسة المفرطة والعاطفة على حساب التنظيم الدفاعي والهجومي.
إرث 2002 التاريخي والطريق نحو مونديال 2026
بالعودة إلى السياق التاريخي، لا يمكن الحديث عن مشاركات المنتخب التركي دون استحضار الإنجاز الأسطوري في نسخة عام 2002 التي أقيمت في كوريا الجنوبية واليابان. حينها، فاجأت تركيا العالم بأسره ببلوغها الدور نصف النهائي وتحقيقها المركز الثالث في إنجاز غير مسبوق. منذ ذلك الحين، عانت الكرة التركية من إخفاقات متتالية في التصفيات المونديالية، مما جعل حلم العودة إلى المسرح العالمي هاجساً يراود الجماهير. واليوم، مع ضمان المشاركة في مونديال 2026، تعود تلك الذكريات المجيدة لتشعل حماس أمة بأكملها، حيث يرى الكثيرون في الجيل الحالي امتداداً لجيل 2002 الذهبي، خاصة بعد تخطي عقبات صعبة في الملحق الأوروبي مثل رومانيا وكوسوفو بنتيجة (1-0) في كلتا المباراتين، وهو الحاجز الذي كان قاتلاً لمنتخبات كبرى مثل إيطاليا في النسخ السابقة.
من أضنة ديمير سبور إلى قيادة المنتخب
لولا استجابة مونتيلا الإيجابية لعرض نادي أضنة ديمير سبور التركي في عام 2021، لربما كان المدرب البالغ من العمر 51 عاماً (والذي سيبلغ 52 عاماً في 18 يونيو المقبل) قد أدار ظهره لعالم الساحرة المستديرة. وقد أكد ذلك بنفسه في مقابلة صحفية سابقة مع صحيفة “لا غازيتا ديلو سبورت” الإيطالية، حيث قال: “الذهاب إلى أضنة واكتشاف عالم آخر، أعادا إشعال اللهب في داخلي، شرارة الشغف”. هذا الشغف قاد الدولي الإيطالي السابق، الذي يمتلك في رصيده 20 مباراة دولية وثلاثة أهداف، لتولي تدريب المنتخب التركي بعد موسمين ناجحين مع أضنة (2021-2023). لقد أصبح هذا البلد بمثابة وطن ثانٍ له، حتى أنه مُنح الجنسية التركية تقديراً لجهوده الكبيرة.
التأثير الإقليمي والدولي لعودة الأتراك
لا تقتصر أهمية هذا التأهل على الجانب المحلي المتمثل في إسعاد ملايين الأتراك فحسب، بل يمتد تأثيره ليعيد تشكيل خارطة القوى الكروية في القارة الأوروبية وعلى المستوى الدولي. إقليمياً، يثبت المنتخب التركي أنه قوة لا يستهان بها، خاصة بعد صعوده إلى دوري النخبة (المستوى الأول) في دوري الأمم الأوروبية، وبلوغه ربع نهائي كأس أمم أوروبا 2024. دولياً، تترقب الجماهير العالمية رؤية هذا المزيج الفريد بين الشغف التركي والصرامة التكتيكية الإيطالية. عودة تركيا تضيف نكهة تنافسية خاصة للبطولة، وتؤكد أن الاستثمار في المواهب الشابة والتخطيط السليم يؤتي ثماره، كما صرح مونتيلا: “إسعاد شعب بأكمله هو بالنسبة لي أجمل مكافأة”.
“الطائرة الصغيرة” ومزيج الخبرة والشباب
كان مونتيلا يُلقب في أيام لعبه بـ “أيروبلانينو” (الطائرة الصغيرة)، نسبة إلى احتفاله الشهير بالأهداف عبر مد ذراعيه. واليوم، يجعل هذا المدرب، الذي سجل 225 هدفاً في 477 مباراة خلال مسيرته بقمصان أندية أبرزها روما، تركيا تحلق عالياً نحو أميركا الشمالية. في مقابلة مع موقع الفيفا، صرح مونتيلا: “في تركيا، تُعد كرة القدم بمثابة ديانة. الثقافة التركية قريبة جداً من ثقافة القرية التي نشأت فيها بضواحي نابولي. أشعر أنني واحد منهم”.
وقد شدد مونتيلا على أن النتائج الإيجابية تأتي بفضل المواهب الاستثنائية، حيث دفع بأسماء شابة لامعة مثل كينان يلديز (يوفنتوس) وأردا غولر (ريال مدريد)، وكلاهما في الحادية والعشرين من العمر. وإلى جانب الشباب، تبرز أهمية الخبرة المتمثلة في القائد هاكان تشالهانوغلو (32 عاماً)، صانع ألعاب إنتر ميلان، الذي قال عن مدربه: “لقد جلب لنا هدوءه، وطريقته في إعدادنا للمباريات الكبرى”. تشالهانوغلو يمثل حلقة الوصل المثالية بين المدرب واللاعبين في غرفة الملابس، إلى جانب زكي تشيليك لاعب روما.
ومع ارتباط مونتيلا بعقد يمتد حتى عام 2028، تتجه الأنظار نحو ما سيقدمه هذا الجيل. وكما حذر مونتيلا قائلاً: “تركيا 2002 هي واحدة من تلك المنتخبات الكبيرة المفاجئة التي حققت مساراً تاريخياً في كأس العالم… الأحلام ستكون دائماً موجودة”، فإن الجماهير التركية تعيش اليوم حلم العودة القوية، آملة أن يكون هذا التأهل بداية لحقبة ذهبية جديدة.
The post تأهل تركيا إلى مونديال 2026: كيف قاد مونتيلا النهضة الكروية؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













