عندما تُذكر بطولات الساحرة المستديرة، تتجه الأنظار تلقائياً إلى النجوم الذين يسجلون الأهداف والمدربين الذين يضعون الخطط، لكن هناك أبطالاً آخرين يعملون بصمت لضمان عدالة المنافسة. إن الصافرة السعودية في كأس العالم تمثل قصة نجاح ملهمة لرجال ساهموا في رفع اسم المملكة العربية السعودية في أكبر محفل كروي عالمي، ورغم أنهم لم يحظوا دائماً بنفس الزخم الإعلامي والجماهيري الذي يناله اللاعبون، إلا أن إنجازهم بالوصول إلى نهائيات المونديال لا يقل أهمية وقيمة عن مشاركة المنتخبات ذاتها.
جذور وتاريخ الصافرة السعودية في كأس العالم
لم يكن وصول الحكام السعوديين إلى المونديال وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عقود من العمل الجاد والمؤسسي. تاريخياً، يُعرف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بصرامته الشديدة في اختيار قضاة الملاعب، حيث يخضعون لسنوات من التقييم، الاختبارات البدنية، والمتابعة الدقيقة في البطولات القارية. وفي حقبة الثمانينيات، بدأت الرياضة السعودية تشهد طفرة تنظيمية واحترافية كبرى، مما مهد الطريق لبروز كفاءات وطنية قادرة على إدارة أصعب المباريات. هذا السياق التاريخي جعل من حضور الحكم السعودي في المونديال دليلاً قاطعاً على تطور المنظومة الرياضية في المملكة وقدرتها على تصدير كفاءات موثوقة عالمياً.
الانطلاقة الأولى ومواصلة الإرث المونديالي
كانت الانطلاقة التاريخية في مونديال المكسيك عام 1986، عندما أصبح الحكم الدولي الراحل فلاج خزام الشنار أول حكم سعودي يشارك في نهائيات كأس العالم. جاء هذا الاختيار في وقت كانت فيه كرة القدم السعودية تبني حضورها الدولي بقوة، ليؤكد أن الحكم السعودي قادر على منافسة كبار حكام العالم. وبعد 12 عاماً، وتحديداً في مونديال فرنسا 1998، واصل الحكم الدولي عبدالرحمن الزيد هذه المسيرة، فارضاً حضوره القوي على الساحتين الآسيوية والدولية. وفي نسخة 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، دخل علي الطريفي التاريخ كأول حكم مساعد سعودي يشارك في المونديال، مقدماً أداءً نال ثقة الفيفا.
خليل جلال.. بصمة تحكيمية لا تُنسى
يبقى اسم خليل جلال من أكثر الأسماء السعودية حضوراً وتأثيراً في تاريخ كأس العالم. ففي عام 2006، تم اختياره للمشاركة في مونديال ألمانيا، ليعود ويكرر إنجازه في مونديال جنوب أفريقيا 2010، مسجلاً نفسه كأول حكم سعودي يشارك في نسختين متتاليتين من نهائيات كأس العالم. أدار جلال مباريات حاسمة بين منتخبات كبرى، وقدم مستويات لافتة جعلته من نخبة الحكام في القارة الآسيوية، مما شكل امتداداً طبيعياً لنجاحات التحكيم السعودي.
الأثر الإقليمي والدولي لنجاح التحكيم السعودي
إن تواجد الكفاءات التحكيمية السعودية في المونديال يحمل أهمية بالغة تتجاوز مجرد المشاركة الفردية. على المستوى المحلي، يشكل هؤلاء الحكام قدوة للأجيال الشابة، مما يحفز الانخراط في سلك التحكيم ويرفع من جودة المنافسات المحلية. أما إقليمياً ودولياً، فقد عزز هذا الحضور من مكانة المملكة كقوة رياضية رائدة في قارة آسيا والشرق الأوسط. لقد أثبتت الصافرة السعودية قدرتها على التعامل مع الضغوطات الجماهيرية والإعلامية في أكبر المسابقات، مما زاد من ثقة الاتحادات القارية والدولية في الحكم العربي والآسيوي بشكل عام.
مونديال 2026.. عودة مستحقة للواجهة العالمية
بعد غياب استمر منذ عام 2010، تعود الصافرة السعودية بقوة في نسخة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك. أعلن الفيفا اختيار الحكم خالد الطريس ضمن حكام الساحة، إلى جانب الحكم المساعد محمد العبكري، وحكم تقنية الفيديو (VAR) عبدالله الشهري. لم تأتِ هذه العودة من فراغ، بل هي ثمرة دعم واهتمام كبيرين من الاتحاد السعودي لكرة القدم برئاسة ياسر بن حسن المسحل. شهدت منظومة التحكيم نقلة نوعية عبر المعسكرات، الدورات المتخصصة، واستخدام أحدث تقنيات التحكيم، مما هيأ جيلاً جديداً قادراً على تمثيل المملكة بأفضل صورة.
قائمة الشرف: 8 أسماء صنعت التاريخ
على مدار أربعين عاماً، اقتصر الحضور السعودي في نهائيات كأس العالم على ثمانية أسماء استثنائية تمثل قمة الهرم التحكيمي:
- فلاج خزام الشنار – حكم ساحة (1986)
- عبدالرحمن الزيد – حكم ساحة (1998)
- علي الطريفي – حكم مساعد (2002)
- خليل جلال – حكم ساحة (2006 و 2010)
- خالد الطريس – حكم ساحة (2026)
- محمد العبكري – حكم مساعد (2026)
- عبدالله الشهري – حكم تقنية الفيديو VAR (2026)
رغم أنهم أبطال بلا جمهور يهتف بأسمائهم في المدرجات، إلا أنهم سفراء للوطن، حملوا الأمانة بصدق، وصنعوا تاريخاً مجيداً بعيداً عن الأضواء، ليظلوا نموذجاً يُحتذى به في العطاء والتميز الرياضي.
The post الصافرة السعودية في كأس العالم: تاريخ التحكيم من 1986 إلى 2026 appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













