في قلب المنطقة الوسطى بإمارة الشارقة، لا تبدو مليحة مجرد موقع أثري عابر، بل مساحة مفتوحة على تاريخ طويل يروي بدايات الإنسان في شبه الجزيرة العربية، ويكشف كيف استطاع الإنسان الأول التكيف مع البيئة الصحراوية منذ آلاف السنين. هنا، تتحول الرمال والجبال والتكوينات الصخرية إلى صفحات حية توثق رحلة الإنسان والطبيعة معا.
ويعد منتزه مليحة الوطني واحدا من أبرز المواقع التاريخية والجيولوجية في المنطقة، إذ تشير المكتشفات الأثرية إلى أن الحضور البشري في الموقع يعود لأكثر من 210 آلاف عام، عبر أدوات حجرية ومستوطنات قديمة وهياكل عظمية تؤكد أن مليحة كانت محطة مهمة في تاريخ الإنسان القديم وتنقله عبر الجزيرة العربية.
وتكشف هذه المكتشفات عن الدور المحوري الذي لعبته المنطقة بوصفها معبرا طبيعيا للحضارات البشرية القديمة، إلى جانب ما تعكسه من تشابه في أنماط الحياة الصحراوية مع مناطق أخرى في الجزيرة العربية، مثل الربع الخالي وصحراء النفود، ما يمنح الباحثين صورة أوضح عن العلاقة القديمة بين الإنسان وبيئته الصحراوية.
وكان قد أعلن رسميا عن تأسيس منتزه مليحة الوطني في أبريل 2024، قبل افتتاحه للجمهور في فبراير 2025، على مساحة تتجاوز 34 كيلومترا مربعا، تحت إشراف هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق»، ضمن رؤية تهدف إلى حماية الإرث الطبيعي والتاريخي والثقافي للمنطقة، مع تقديم تجربة متوازنة تجمع بين الحفاظ على البيئة وإتاحة المعرفة للزوار.
ولا تتوقف أهمية مليحة عند بعدها التاريخي فقط، بل تمتد إلى تكويناتها الجيولوجية النادرة التي تعود إلى نحو 93 مليون عام، حين كانت المنطقة جزءا من محيط قديم، وهو ما تظهره الأحافير والطبقات الصخرية المكتشفة في الموقع، والتي توثق وجود كائنات بحرية منقرضة نادرة.
كما يحتضن المنتزه تنوعا بيئيا لافتا يضم الغزال والثعلب الرملي وعددا من الزواحف والطيور المحلية والمهاجرة، إضافة إلى غطاء نباتي صحراوي متكيف مع طبيعة المناخ، ضمن منظومة حماية بيئية تعتمد على إعادة التوطين والحفاظ على التوازن الطبيعي ومنع الأنشطة التي قد تؤثر في البيئة أو التكوينات الجيولوجية.
ويقدم المنتزه للزوار تجربة متكاملة تجمع بين المعرفة والمغامرة، من خلال مركز مليحة للآثار الذي يضم عروضا تفاعلية توثق تاريخ الإنسان في المنطقة، إلى جانب التخييم البيئي، والمشي الجبلي، والتزلج على الرمال، فضلا عن تجارب الطيران الشراعي واستكشاف الطبيعة الصحراوية من زوايا مختلفة.
كما يحرص المنتزه على تعزيز الجانب التعليمي والمجتمعي عبر برامج مخصصة للأطفال والطلبة، ومسارات بحثية للمهتمين بالآثار والبيئة والتاريخ، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في المبادرات التعليمية وفرص العمل، ليقدم نموذجا يجمع بين السياحة المستدامة والحفاظ على الهوية الثقافية والطبيعية للمنطقة.













