في المجتمع العماني، ارتبطت المائدة دائماً بمعانٍ نبيلة تتجسد في الكرم، وحسن الضيافة، والترحيب بالضيوف. هذه القيم الأصيلة هي جزء لا يتجزأ من هوية المجتمع وروحه التي تتوارثها الأجيال. ولكن، تبرز اليوم تحديات جديدة عندما يتحول هذا الكرم المحمود إلى مبالغة غير مبررة، حيث تتحول المائدة من نعمة تُقدر إلى فائض يُرمى. ومن هنا تبدأ مشكلة هدر الطعام، التي تحولت من مجرد تصرف فردي إلى هدر متكرر اعتاده البعض حتى بات يُنظر إليه وكأنه أمر طبيعي يعبر عن مكانة المضيف.
جذور الضيافة العمانية وتطور العادات الاستهلاكية
تاريخياً، عُرف الإنسان العماني والعربي عموماً بتقديره العميق للنعمة، حيث كانت الموارد محدودة والبيئة القاسية تفرض نمطاً استهلاكياً يتسم بالحكمة والتدبير. كان تقديم الطعام للضيف يُعد من أسمى آيات التقدير، ولكن ضمن حدود الحاجة الفعلية دون تفريط. ومع الطفرة الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية المتسارعة في العقود الأخيرة، تبدلت بعض هذه المفاهيم. تحولت السفرة الكاملة وتعدد الأطباق إلى معيار غير معلن للضيافة، مما أدى إلى ابتعاد تدريجي عن الجوهر الحقيقي للكرم، ودخول المجتمع في دوامة من الاستهلاك المفرط الذي يثقل كاهل ميزانيات الأسر، خاصة مع التقلبات المستمرة في أسعار المواد الغذائية.
لغة الأرقام: كيف يتفاقم هدر الطعام خلال المواسم؟
تتجلى هذه القضية بوضوح أكبر في أوقات معينة من السنة. فقد أشارت تقارير منشورة في عُمان حول توقعات شهر رمضان 2026 إلى أن مؤشرات النفايات العضوية ترتفع بشكل ملحوظ في هذا الموسم. وتشير التقديرات الإقليمية إلى أن هدر الطعام قد يزيد خلال شهر رمضان بنسبة تتراوح بين 25% و50% مقارنة ببقية أشهر السنة. وتبرز الأرقام الوطنية حجم التحدي الأوسع، إذ تنتج السلطنة أكثر من 1.7 مليون طن من النفايات البلدية الصلبة سنوياً، وتشكل النفايات العضوية، وعلى رأسها بقايا الأطعمة، جزءاً معتبراً منها. هذا الهدر لا يرتبط غالباً بالحاجة، بل بالعادات الاجتماعية والأفكار الخاطئة التي تربط بين امتلاك مائدة ضخمة ومستوى الكرم.
التداعيات الاقتصادية والبيئية لظاهرة الإسراف
إن التأثير المتوقع لاستمرار هذا النهج يتجاوز حدود المنزل الواحد ليمتد إلى مستويات محلية وإقليمية ودولية. فعلى الصعيد المحلي، يشكل التخلص من آلاف الأطنان من الأطعمة عبئاً هائلاً على البنية التحتية لإدارة النفايات، ويستنزف الموارد الاقتصادية للدولة. وإقليمياً ودولياً، يتقاطع هذا السلوك مع أزمات الأمن الغذائي العالمي والتغير المناخي، حيث تساهم النفايات العضوية المتحللة في مكبات القمامة في انبعاث غازات الاحتباس الحراري. إن إدراك هذه الأبعاد يجعل من تقنين الاستهلاك ضرورة ملحة لحماية البيئة وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة، وتحويل التناقض المؤلم بين طعام يُرمى ومحتاجين يبحثون عنه إلى توازن مجتمعي عادل.
نحو ثقافة مستدامة لحفظ النعمة
من الجميل أن الوعي بهذه المشكلة بدأ يتسع تدريجياً. فقد شددت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على أهمية تقليل الهدر، وبرزت تقارير محلية تتحدث عن مبادرات أهلية وتطوعية رائدة لجمع فائض الطعام وتوزيعه على المستحقين. كما بدأت بعض جهات الضيافة والمطاعم في تبني ممارسات أفضل، مثل استخدام صوانٍ أصغر، وإعادة التعبئة وفق الحاجة، وتحسين إدارة الكميات. هذه المؤشرات المشجعة تحتاج إلى أن تتحول من مبادرات متفرقة إلى ثقافة يومية مستقرة.
نحن لا نحتاج إلى أن نقلل من الكرم، بل إلى أن نهذبه بالحكمة. الكرم الحقيقي لا يُقاس بعدد الأطباق، بل بحسن النية وحفظ النعمة من الضياع. المائدة التي تبقى فيها البركة خير من مائدة يكثر فيها الطعام ويغيب عنها الوعي. وربما حان الوقت لنسأل أنفسنا بصدق: هل نريد مائدة تملأ العيون فقط، أم مائدة تحمل معنى الامتنان؟ لأن المجتمع الذي يعرف قيمة النعمة هو الأقدر على حفظها، وجعل الكرم فيه أخلاقاً لا هدراً، كما يؤكد الكاتب عماد بن حمود الرحبي.
The post الكرم أم الإسراف؟ طرق الحد من هدر الطعام في عمان appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













