يعد الانقسام السياسي في أمريكا ظاهرة معقدة تضرب بجذورها في عمق التاريخ الديمقراطي للولايات المتحدة. أتابع الشأن الأمريكي منذ زمن طويل، والانقسام الحزبي ليس جديداً في الديموقراطية الأمريكية، فثنائية الجمهوري مقابل الديمقراطي يكسر حدتها المستقلون عن الحزبين، والمترددون فيهما. إلا أن الانقسام الحالي لم يعد خلافاً عابراً يستطيع عقلاء المشرعين من الحزبين تجاوزه في المجلسين، وإنما بلغ شأواً غير مسبوق في حدته وشعبيته. تاريخياً، شهدت الولايات المتحدة فترات استقطاب حادة، مثل فترة الحرب الأهلية وحقبة الحقوق المدنية في الستينيات، لكن الخلافات اليوم تتجاوز السياسات العامة لتشمل القيم الأساسية. ومع الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026م، لم يعد السؤال يتداول في سياقه المعتاد: من سيفوز؟ بل أصبح أكثر قلقاً ليكون: هل تستطيع أمريكا أن تعلن نتيجة يرحب بها الخاسر ويبادر بتهنئة الفائز؟
الجغرافيا السياسية وتحول السياسة إلى هوية
تبدو أمريكا حالياً، لمن يعرفونها، وكأنها بلد يسكنه شعبان، يتقاسمان الجغرافيا ذاتها، لكنهما لا يتقاسمان الواقع نفسه، فلكل طرف أخباره، وحقائقه، ومظالمه، وتصوره الخاص لما ينبغي أن تكون عليه البلاد. الانقسام الذي كان لعقود طويلة موضوعاً للدراسات الأكاديمية والتحليلات الصحفية، تحول اليوم إلى أزمة حكم لم تستطع حرب التعريفات الجمركية، وضبط الحدود، وحملات ملاحقة مخالفي الإقامة، وملفات إبستين والحرب على إيران إخفاءها. لقد تغيرت السياسة نفسها في حياة الأمريكيين، فلم تعد الانتماءات الحزبية مجرد موقف من الضرائب أو الهجرة أو الإنفاق العام، بل أصبحت جزءاً من الهوية الشخصية؛ من أنا، ومن هم خصومي، وأي نوع من البلاد أريد أن أعيش فيه، إنها معادلة «نحن وهم» داخل دولة واحدة. وحين يصبح المواطن الخصم تهديداً وجودياً، تتحول الانتخابات من منافسة قابلة للهزيمة إلى معركة لا تقبل الخسارة.
تأثير الإدارة الحالية على الانقسام السياسي في أمريكا
في ظل المشهد الراهن، يلعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دوراً محورياً في تشكيل ملامح هذه المرحلة. سياسات الإدارة الحالية وقراراتها تزيد من حدة الاستقطاب، حيث يلتف المؤيدون حول رؤيته الاقتصادية والوطنية، بينما يصعد المعارضون من انتقاداتهم. هذا النظام المأزوم سيكون تحت وطأة اختبار قاس في نوفمبر، فالأمريكيون سيصوّتون على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435، وعلى 33 مقعداً في مجلس الشيوخ، إلى جانب عدد من مناصب حكام الولايات. تفاصيل النظام الانتخابي الأمريكي ليست مهمة للمتابع من خارج أمريكا، بقدر أهمية المزاج العام، وهذا المزاج متوتر إلى حد يجعل من التنبؤ بما بعد إعلان النتائج مهمة شاقة.
الاقتصاد وصناديق الاقتراع: تحديات 2026
على صعيد القضايا، لا تبدو الانقسامات أقل حدة؛ فالاقتصاد يضغط على الجميع بأسعار مساكن مرتفعة، وتضخم لم ينحسر كثيراً، وأجور لا تتحرك بالسرعة الكافية لطبقة العمال، وزاد على ذلك ارتفاع أسعار الوقود. هذا النوع من القلق يفترض أنه يتحول في صناديق الانتخابات إلى عقاب لشاغلي المناصب، أياً كان حزبهم، لكن الأجواء المشحونة بالشعبوية لم تعد تسمح بالنتائج المنطقية. لقد غيّر التصويت المبكر طريقة إدارة الحملات، وفتّتت شبكات التواصل الاجتماعي المجال العام، وأصبحت قواعد إدارة الانتخابات موضوعاً للصراع في عدد من الولايات المتأرجحة. ولم تعد المشكلة في معرفة أين يتجه الرأي العام فقط، بل فيما إذا كان الطرف الخاسر سيقبل بالطريقة التي يتم بها قياس هذا الرأي.
التداعيات المحلية والإقليمية والدولية
المأزق ليس أمريكياً فحسب، فالولايات المتحدة، رغم اضطرابها، لا تزال أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر قوة عسكرية، وفاعلاً لا غنى عنه في نظام دولي يواجه ضغوطاً وتحديات مصيرية. محلياً، يهدد هذا الاستقطاب بتعطيل التشريعات وتعميق الفجوة المجتمعية. وإقليمياً ودولياً، فإن كونغرس مشلول بصراعاته الداخلية، أو انتخابات تحيط بها الشكوك بدل الاعتراف، لن يربك واشنطن وحدها، بل عواصم العالم جميعاً كل وفق أجندته. حلفاء أمريكا يراقبون بقلق قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأمنية والاقتصادية، بينما يرى خصومها في هذا الضعف الداخلي فرصة لتعزيز نفوذهم العالمي. أظن أن السؤال الأكبر لن يكون من سيحصل على الأغلبية؟ بل، كيف سيتصرف الخاسرون؟ هل سيعترفون بالنتيجة، أم يطعنون في شرعيتها قبل أن يجف حبر الأصوات؟ ولنا في الانتخابات الرئاسية عام 2020م مثال حي لجواب السؤال. الديمقراطيات كلها معتادة على هذا النوع من الخلاف، وإنما المشكل هو تراجع الثقة في المشتركات التي تدير الخلافات الحزبية. لهذا لا تبدو انتخابات التجديد النصفي لعام 2026م مجرد محطة انتخابية عابرة، وإنما اختبار لقدرة النظام على إدارة انقسامه من دون أن يتحول إلى قطيعة كاملة.
The post حرب أمريكا الداخلية: مستقبل الانقسام السياسي في أمريكا appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













