كلما عدنا إلى الماضي وجدنا فيه كثيرا مما يسعدنا، لأننا سنرى الناس متآلفين ومتعاونين ليس بينهم تنافس يضر بانسجام الحياة بينهم أو يؤثر سلبا على المودة السائدة، وبدلا من أن نجد بينهم ما يقطع صلاتهم ببعضهم فإننا نجد في أولئك الذين ذهبوا عن دنيانا رجالا يتصفون بصفات كريمة عالية وصفها شاعر الكويت الشعبي فهد بورسلي فقال:
الله واكبر يا زمانٍ مضى احْلوم
كِلَّهْ وِفا والجار يحلف بْجاره
مِتْكاتفين ابكْل داعي ومرسوم
اعمارهم راحتْ علينا خسارة
ياما انقذوا باموالهم كل مظلوم
بذراعهم ياما اقهروا كل غاره
صارت عمايلهم حچايات وعْلوم
نمشي ابسيرتهم ولامن نِماره
وبطبيعة الحال فإن ذلك الوقت الذي كان فيه عندنا أمثال هؤلاء الأفاضل المتعاونين المتآلفين قد عاش فيه في غير بلادنا اناس على هذه الشاكلة يحتفظون بالمودة لغيرهم، ويقيمون أطيب الصلات مع بعضهم، ونخص بالذكر من هؤلاء أبناء الوطن العربي.
وفي غير هذا المجال فإن أمور الحياة امام الجميع ميسرة، على حين كانت الموارد ضيقة، ولكنهم مضوا على الأسلوب الذي اختاروه لأنفسهم، متحلين بالقناعة والصبر والرضا بما قسم الله لهم.
وهناك جوانب كثيرة أخرى تلحظ في طريق الحياة الإنسانية ولكنها تصب ـ كلها ـ في مجال المفارقة بين الماضي والحاضر.
عدت ـ أخيرا ـ إلى قراءة العدد الصادر في اليوم الأول من شهر يناير لسنة 1949 من مجلة «الهلال» المصرية، فوجدت فيه دلائل كثيرة جعلتني على يقين بما أظنه من فرق بين الطبائع البشرية في الماضي والحاضر.
دعك من الأمور التي فرضتها ظروف الحياة الحديثة، والتغيرات التي جرت بمرور الزمن، وكان من مؤثراتها: الاختراعات، وتطوير المواصلات بما جعل المسافة قريبة بين البلدان. وسهل نقل المعلومات والأخبار من أي مكان في العالم إلى أقصى مكان فيه، وهي أمور لا شك في أن لها أثرها في تغيير صورة المجتمع، وكم كنت أتمنى أن لا يكون هذا التغيير ماسخا لجمال الحضارة، وسمو الثقافة، وروعة الصفاء الذي كان يسود المجتمعات البشرية.
كانت مجلة «الهلال» من أهم المجلات المصرية، وأكثرها عناية بالثقافة بمعناها العام، والأدب بفنونه المختلفة، وكانت تستكتب كبار الأدباء والعلماء ثم تنشر لهم ما يكتبونه بلا تردد، وقد عرف لها قراؤها ذلك ومن أجله فهم ينتظرونها عندما تشرق في أول كل شهر، حيث يكون هؤلاء القراء في انتظارها في شتى أنحاء الوطن العربي، وبذا فهي في ذلك الوقت الذي بدأت بالصدور خلاله جامعا لأبناء هذه الأمة حول ما يرون فيه من معلومات وبحوث.
ومما ينبغي أن يذكر أن مؤسس هذه المجلة هو جورجي زيدان، وكان قيامه بتأسيسها في سنة 1982 حين أصدر العدد الأول منها.
وقد كان رئيس تحريرها في البداية هو د.أحمد زكي، وهو رجل جمع بين العلم والأدب، له عدة مؤلفات في هذين المجالين، وله مكانة في مجال التنوير لا تنسى.
ود.أحمد زكي معروف بأنه كيميائي مصري، مؤسس لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في وطنه مصر، وهو ـ أيضا ـ علم من أعلام النهضة الأدبية والصحافية في مصر والوطن العربي كله.
ولد في سنة 1884، وتوفي في سنة 1975.
وقد حضر د.أحمد زكي إلى الكويت في سنة 1955 مشاركا في الموسم الثقافي الذي كانت دائرة معارف الكويت تقيمه في كل عام، فشارك في إلقاء بعض المحاضرات كغيره مع كبار العلماء والأدباء الذين حضروا من أجل هذا الموسم وشاركوا فيه.
ثم عاد بعد ذلك إلى الكويت بناء على رغبة من حكومتها، وذلك من أجل المشاركة في إصدار مجلة «العربي» الشهيرة، وصار رئيسا لتحريرها منذ أن صدرت في شهر ديسمبر لسنة ١٩٥٨، حتى غادر الكويت في سنة 1975، وهي السنة التي توفي خلالها في وطنه: مصر.
وكان د.أحمد زكي قد افتتح العدد الأول من مجلة «العربي» التي كانت تقرأ في كل بلاد العرب بعبارة تدل على أهدافها، وتعبر عن توجهاتها فقال:
«باسم الله نفتتح هذا الحديث الأول، وباسم العروبة خالصة، بحتة محضة، نخط أول سطر يقع عليه البصر في هذه المجلة الوليدة.
وأسميناها مجلة «العربي»، وما كان اسم بواف بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي كله، ورؤوس نسائه، من معان، وما تستدفئ به قلوبهم من آمال وأماني، كاسم (العربي)، في حسمه وإيجازه».
ومما يسعدني هنا أن أعود بذاكرتي إلى زمن مضى، وكان زمنا رغدا كما قال الشاعر العربي، فأذكر أنني قد نلت حظ حضور المحاضرات التي ألقاها الدكتور أحمد زكي إبان الموسم الثقافي هنا في الكويت، واستمعت إليه مبهورا بعلمه، ودقة تعبيره، وإحاطته بالموضوعات التي يتحدث حولها.
ثم سعدت عندما قمت بتدريس كتابه «سلطة علمية» في السنة الدراسية 1961 ـ 1962، بمدرسة الشويخ الثانوية، وكانت استفادتي بما ورد فيه من معلومات تضارع ما استفاده طلابي آنذاك.
وأسعدني الحظ مرة أخرى بمزاملة هذا الرجل المهم عندما تم انتقالي في نهاية السنة الدراسية التي أشرت إليها من وزارة التربية إلى وزارة الإرشاد والأنباء (الإعلام حاليا)، وكان ذلك تحقيقا لرغبة أستاذي الكريم أحمد السقاف، رحمه الله.
وفي هذه الفترة كنت على صلة بالدكتور أحمد زكي، حيث كان مقر عمله في ديوان الوزارة، فصرت كثير التردد عليه والاستفادة منه ومن حديثة الذي لا يخلو من فائدة، بل هو فائدة كله.
(هنا اذكر مقالي الذي نشر في 29/10/2008، تحت عنوان: د.أحمد زكي في الكويت، وذلك ضمن مقالات: الأزمنة والأمكنة).
***
أعود الآن إلى مجلة الهلال التي بدأت حديثي هذا عنها، ثم أخذني السياق إلى الدخول في اتجاهات لا أظن أنها غير مقبولة.
أنا الآن اتصفح العدد الذي أشرت إليه من قبل، فأجد أن أول مقال احتوى عليه بعد مقال رئيس التحرير الذي يكون عادة في البداية، مقال كتبه رجل له مكانته العلمية والاجتماعية وقد قدمت المجلة لمقاله هذا بكلمة فيها تقدير وإعجاب، وكان يستحق ذلك لما له من مكانة علمية في بلده مصر وفي الوطن العربي كله.
قدمت المجلة للمقال المذكور بالعبارة التالية «تفضل معالي د.عبدالرزاق السنهوري باشا فقدم هذا العدد بهذه الكلمة القيمة التي تضمنت رأيا نفيسا، وتوجيها رشيدا للجيل الجديد».
وكان د.السنهوري يومذاك وزيرا للمعارف (وزارة التربية والتعليم فيما بعد)، وكانت له إلى جانب مكانته العلمية مكانة اجتماعية بارزة استحق بها لقب «باشا»، وهو من ألقاب التكريم التي كانت سائدة قبل ثورة سنة 1952 بمصر.
وهو من أبرز رجال القانون في القرن العشرين، ولد في سنة 1895، وتوفي في سنة 1971، ومن أجل بروزه في عالم القانون، أطلق عليه لقب «عميد الفقه والقانون» وعرف بذلك في مصر والوطن العربي، كما كان يطلق على د.طه حسين لقب عميد الأدب العربي.
أسهم د.السنهوري باشا في إنجاز أعمال قانونية مهمة في مصر وفي خارجها، وكان قد تلقى دراسته في جامعة القاهرة، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في القانون من باريس.
وهو رئيس مجلس الدولة المصري حتى سنة 1954.
وشارك في كثير من اللجان، وله عدة مؤلفات في تخصصه.
واستفادت الكويت بخبراته حين دعته خبيرا قانونيا في الفترة ما بين سنتي 1950 و1960، وكانت الكويت ـ وقتذاك ـ على أبواب الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل تاريخها، وذلك لأنها كانت في مرحلة تمهيد يتم به الانتقال خلالها إلى وضع جديد للغاية، إذ كانت على وشك إلغاء الاتفاق التعاقدي الذي تم بينها وبين بريطانيا في سنة 1899، وقد تم ذلك بالفعل في اليوم التاسع عشر من شهر يونيه لسنة 1961، حيث ألغي ذلك الاتفاق التعاقدي بين البلدين بتوقيع الطرفين عليه.
فكان أمر تهيئة الأجواء له من أجل التقدم إلى طلب عضوية هيئة الأمم المتحدة أن تجري مراجعة للقوانين السارية، واستحداث ما تدعو الحاجة إليه من الأنظمة، وقد جرى ذلك باهتمام كبير من أمير البلاد آنذاك سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، وكان حضور د.عبدالرزاق السنهوري باشا من اجل الإسهام بهذا العمل القانوني والتنظيمي، وقد بقي في الكويت إلى حين انتهاء مهمته.
***
اختار د.السنهوري لمقاله الذي نشرته له مجلة «الهلال» كما ذكرنا، عنوانا هو «الجديد والقديم»، وعندما وقع نظري على العنوان تساءلت ـ لأول وهلة ـ بيني وبين نفسي: لم جعل الدكتور الجديد أولا والقديم ثانيا، بينما واقع الأمر يخبرنا أن القديم هو الأول، فلم لم يتبع الدكتور هذه القاعدة الزمنية التي درج عليها الناس جميعا، وهي الواقع بالفعل؟
ولقد فوجئت به ـ بعد أن استأنفت قراءة المقال ـ وهو يجيب عن هذه الجزئية إجابة غير مباشرة، ولكنها كافية ومقنعة، فيقول:
«وقد كنت أحب أن أقصر عنوان هذه الكلمة على الجديد دون أن أضيف إليه القديم، فأحاكي بذلك عنوان العدد الممتاز نفسه (يقصد عدد مجلة «الهلال»)، ولو طاوعت شعوري لفعلت.
ولكنني فكرت قليلا..
ففكرت أولا في أنني أقدم لكل ما اشتمل عليه العدد من آراء ونزعات، وفيها انتصار للقديم وللجديد.
وفكرت ثانيا في أن الجديد لا يقوم إلا على القديم، ولولا القديم لما كان هناك جديد.. فليس من الإنصاف أن أخص الجديد بالذكر دون القديم. وفكرت أخيرا في أن جديد اليوم سيكون القديم في الغد. إذن! سأفرض الجديد والقديم معا. فإن حديثي عن القديم لا يقل عنه شغفي بالجديد».
هكذا فلسف المسألة، وهكذا فكر. فكيف كان ذلك:
إنه كان يفكر في كتابة مقال لعدد جديد (ممتاز) من أعداد مجلة «الهلال»، يصدر بمناسبة إطلال سنة جديدة من سنوات صدورها، وذلك بناء على طلب هيئة التحرير، وقد وجد هذه المناسبة تقتضي أن يكتب عن الجديد.
ثم فكر في أن الجديد لا يقوم إلا على القديم، ولولا القديم لما كان هناك جديد فليس من الإنصاف إقصاء أحدهما عن الآخر.
وفكر للمرة الثالثة فوجد أن قديم اليوم كان بالأمس جديدا، وأن جديد اليوم سيكون في الغد قديما، فهما متلازمان إذن!
ومن أجل ذلك فقد صح عزمه على أن يكون حديثه شاملا لهذين المتلازمين: القديم والجديد في مقال واحد. وقد كان:
وفي هذا يقول:
«الجديد قوي وثاب، ونحن أمة في أشد الحاجة إلى القوة والوثوب، قديمنا رث مهلل، فينبغي أن ننزعه، وأن نتقدم إلى هذا العالم الجديد في ثوب جديد، جربنا المشي الوئيد والعالم يجري ركضا، فإذا بنا تخلفنا عن الركب وصرنا مسبوقين بعد أن كنا سابقين».
ثم يتساءل:
«فما بالنا نستمسك بهذا القديم البالي؟ بل ما بالنا نطمع في أن نعيش بعقول القرون الوسطى ونحن في حضارة القرن العشرين؟
ثم يتساءل مرة أخرى:
أليس نسخ الجديد للقديم هو التطور؟
أليس التطور هو ناموس الحياة؟
ويضيف:
هذا هو لسان الجديد فينبغي أن نسمعه خاشعين، فللجديد سلطان مرهوب.
وكان الكاتب قد أشعرنا بوجود صراع حاد بين القديم والجديد، ولكنه عاد إلى التساؤل بعد أن عرض وجهتي النظر:
لمن الغلبة في هذا الصراع؟
هنا تأتي إلى خلاصة ما أراد ذكره في مقاله هذا. ولكننا نراه لا يحسم أمره بالوقوف مع واحد من هذين الطرفين دون غيره، بل إنه ليرى أننا لا نزال في حاجة إلى القديم، كما نحن في حاجة إلى الجديد، فالجديد لا يلغي القديم أبدا، فهما نمطان من أنماط الحياة، لا صراع بينهما، فهما متعاونان، يأخذ الجديد منهما خبراته من القديم ويستفيد منه في هذا الشأن.
هذه هي طبيعة الحياة، وهذا ما جعل الكاتب يعرض القديم والجديد معا، وفي هذا يقول: فإن حنيني إلى القديم لا يقل عن شغفي بالجديد. ثم يصف الجديد، ونزاعه مع القديم، وكأنهما خصمان متعارضان فيقول:
«وللجديد سلطانه المرهوب، وله جلال تطأطئ له الرؤوس، وله جمال تخفق له القلوب وهو ـ أبدا ـ في صراع مع القديم.
ثم يتساءل: لمن الغلبة في هذا الصراع؟ فينتهي إلى أنه لا غلبة لأي واحد منهما على الآخر، ثم يبرر هذا بأننا إذا نظرنا إلى الحياة وجدناها تقوم على التنافس بين أصلين. وقد دلل على ذلك بقوله:
«تقوم الحياة على التنافس، وهو هذا الذي قصد إليه كتاب الله الكريم عندما نقرأ فيه:
(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ـ البقرة: 251).
ثم هي تقوم على التضامن وهو هذا الذي قصد إليه الشاعر العربي حين يقول:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعضٌ لبعضٍ وإن لم يَشْعُرُوا خَدَمُ
ويضيف قائلا «والجديد يصارع القديم فيصرعه فيما رث منه وبلي ويتماسك معه فيما ثبت منه وصلب».
وهو يرى أن الحضارة ليست إلا بنيانا من القديم أصلا ثابتا يقوم عليه بنيان جديد بمرور الزمن.
وكذلك العلم! أليست المعرفة التي تلقيناها من أجدادنا تتجدد وقتا بعد آخر؟
ألسنا قد تلقينا المعرفة من أجدادنا جيلا بعد جيل، وكانت تنمو خلال ذلك الانتقال حتى صارت برجا شاهقا.
ألا يصطرع الفكر الجديد مع الفكر القديم حتى يزيل عنه كل غث، ويعيده صافيا نقيا.
ويصف هذا الأمر بأنه يجري ـ أيضا ـ في جميع العلوم الإنسانية، ثم يقول:
«حتى لقد وجدتني كتبت في القانون منذ اثنتي عشرة سنة، في صدد النظريات القديمة والجديدة ما يأتي: وقفت فيما استعرضته من النظريات القديمة والجديدة موقف المعتدل، لا تستهويني من الجديد جدته، ولا يثنيني عن القديم قدمه، حتى إذا آنست في الجديد ثباتا، وأحسست منه عمقا ومطاوعة للتطور، تركت القديم إليه، وتعرفت فيه وجه القانون الحي المتجدد».
وفي نهاية مطافه في هذا المقال يتوجه نداءه إلى الشباب قائلا لهم:
«إني واحد من رجال الجيل القديم، أخاطبكم وأنا ممن عركته التجارب، وأنتم في حاجة إلى تجارب أمثالي. ونحن في حاجة إلى نشاطكم وقوتكم، فنحن ـ فيما أرى ـ لا يستغني بعضنا عن البعض الآخر، وكل ما أستطيع أن أقوله لكم الآن إنكم في حالكم اليوم في حاجة إلى خبرتنا، ونحن في حاجة إلى عزائمكم».
ويتمثل ـ آخر الأمر ـ بقول الشاعر:
أُوَّاهُ لو عرف الشبا
ب، وآه لو قدر المشيب
فهما ـ الشباب والمشيب ـ في رأيه مثلان متكاملان يسند أحدهما الآخر، فانتهى بمقاله هذا بمقارنة لصالح الطرفين قدمها بأسلوب عربي بديع تدل على عمق ثقافته، وتمام استعداده.
***
وجاء المقال الثاني من مقالات مجلة «الهلال» ضمن العدد الذي نتحدث عن بعض محتوياته، فكان مقالا كتبه أحد كبار الشخصيات المصرية البارزة إبان صدور ذلك العدد من الهلال وهو د.محمد عوض محمد، وهو أحد العلماء المختصين بالجغرافيا، مصري الجنسية ولد في سنة 1895، وتوفي سنة 1977، كان له نشاط وافر منذ بدأ استعداده للعمل إثر انتهائه من تلقي دراسته، وقد أنشأ معهد الدراسات السودانية في سنة 1950، وكان مديرا لجامعة الإسكندرية في سنة 1953.
وهو آخر وزير للمعارف (التربية والتعليم) في مصر قبل ثورة سنة 1952 هناك. وشعل مركز رئيس المجلس التنفيذي لـ «اليونسكو» في الفترة ما بين سنتي 1960 و1962. وهذا منصب عالمي مرموق.
له عدد كبير من المؤلفات والترجمات، وكثير من المشاركات في الأنشطة الثقافية على اختلاف أنواعها. ونال تكريم وطنه بحصوله على جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية في سنة 1957.
وكان حافظا للقرآن الكريم في سن مبكرة.
وكان يقول الشعر ويجيده وهو عضو في جماعة أبوللو الشهيرة في مصر وهي جماعة دعا إلى تأسيسها د.أحمد زكي أبو شادي وكان لها دور في نهضة الشعر وقت قيامها.
ومن مؤلفاته:
٭ فن المقالة الأدبية.
٭ بين الشرق والغرب.
٭ قصة سنوحي.
إلى جانب الكتب المترجمة.
أما المقال الذي نشره د.محمد عوض محمد في عدد مجلة «الهلال» الذي نتحدث عنه فإن موضوعه يقترب ـ كثيرا ـ من اهتماماته وطبيعة عمله. وقد جعل عنوانه:
«الجيل الجديد.. شباب مدلل مضلل».
يبدأ حديثه فيه مؤكدا أن من الغبن الحكم على جيل بأكمله بأنه مدلل مضلل، ويرى أن الزلل يكتنف هذا الحكم كما يرى أننا إذا تحدثنا اليوم «عن شبابنا الجديد، وما يتعرض له من ضروب التدليل والتضليل، وإذا وجهنا النقد إلى القائمين على تنشئته، فإننا ينبغي ألا ننسى أن هناك شبابا لا ينطبق عليهم هذا الوصف، ورجالا يبذلون غاية جهدهم في تنشئة أبنائهم».
وبعد هذا البداية، يذكر الكاتب الباحث تجربته مع الشباب منذ أن كان هو نفسه شابا مثلهم، يخالطهم، ويسير بسيرتهم، ولم ينقطع عن تلك المخالطة إلا عندما غادر وطنه إلى الخارج من أجل الدراسة، وهناك رأى مجتمعا مختلفا، فيه شباب مختلف في كثير من الصفات عن الشباب الذي صحبهم في وطنه.
وعندما عاد إلى وطنه مكتمل التعليم اختار هذا المجال سبيلا لمجرى حياته. وهو يذكر موقفه من هذا العمل الذي اختاره لنفسه راضيا به، فقال بعد تمهيد:
«ومع ذلك فإنني لم أشتهر بين طلابي بشيء كما اشتهرت بالقسوة والصرامة، لأن مسلكي معهم كان مناقضا كل المناقضة لما يلقونه من غيري من ضروب التدليل، ومن النعومة والرخاوة، والتساهل في الصغيرة والكبيرة».
فهو هنا يدلنا على أول ما يراه سببا من أسباب بناء شخصية الشاب، وهو أخذه بالجد منذ البداية، وعلى الأخص في الأمور التي تقتضي الجدية، وتتطلب الاستقامة.
ويرى أن هذا الأمر كان أثره كبيرا في إنجازه في مجال التعليم، يقول:
«ومن حسن الحظ أن طلابي جميعا أصبحوا اليوم ـ بعد أن سلكوا طريقهم في الحياة ـ يحمدون ما سموه قسوة وصرامة، ويدركون أن التكوين الصحيح للشباب لا يتم إلا بمؤاخذه المسيء على إساءته، ومكافأة المحسن على إحسانه».
وبالطبع، فإن عددا من طلابه لم يعجبوا بأسلوبه الذي أخذهم فيه بالشدة، والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، وعلى إعطاء المحسن على قدر إحسانه، والمسيء على قدر إساءته، ولكنه لم يتراجع عن ذلك بل جلس إلى المتذمرين منهم، وأبلغهم بأنه إنما يقوم بذلك من أجلهم، وسيرون نتائجه في المستقبل صلاحا لهم ونفعا.
ثم يشير إلى أمر مهم في مجال توجيه الشباب، وتعليمهم، فيقول إن المادة التعليمية التي هي بين أيدي المعلمين الذين يقدمون ما فيها من معلومات إلى طلابهم مرحلة بعد مرحلة، مادة تزيد من معلومات الطالب، ولكنها لا تكفي في بناء شخصيته، ولذا فإن المعلم لابد وأن يتخذ صفة المربي المهذب حتى يجعل من تلميذه رجلا متعلما ناجحا في الحياة. ويقول عن المادة العلمية:
«إنها لا تختلف في خصائصها وجواهرها عن نظيرتها في سائر الأقطار، ومع ذلك فالشباب يحتاجون إلى من يوجههم إلى الوجهة الصحيحة».
ويرى أن الشباب لا يعوزه الذكاء، والقدرة على تلقي المعرفة، وهو يمتاز بالبراءة وشدة الحماس، وبشيء من التوجيه والرعاية السليمة يصل أبناؤنا إلى الغايات السامية التي نريدها لهم.
ويتحدث بعد ذلك عن التدليل وأثره السيئ في نشأة الشباب، فيرى أن الشباب يتلقى التدليل من أسرته منذ الصغر فيؤثر ذلك في نشأته، ثم إذا شب عن الطوق تلقفه رجال السياسة بمثل ذلك التدليل وأكثر منه، حتى يكون منفذا لرغباتهم، وقد عاب الكاتب الأستاذ محمد عوض محمد على رجال السياسة هذا الاتجاه الضار واعتبره مأخذا عليهم ينبغي لهم النأي عنه.
ويمضي في هذا السبيل متحدثا عن تجربته، مقدما لقرائه خلاصة ما أفادته هذه التجربة، وأفاد تلاميذه معه.
وقبل ختام مقاله هذا يعود مرة أخرى لكي يقول:
إن هذا التدليل قد يكون تناقص في وقت كتابته لمقاله هذا، ولكنه شر ـ صغر أم كبر ـ ولاتزال آثاره السيئة قائمة وهي في حاجة إلى من يهتم باقتلاعها.
ويؤكد مرة أخرى قائلا:
«ونستطيع أن نذكر في الأخير أننا على يقين بشأن فساد الشباب أنه ـ إن وجد ـ فهو نتيجة للأسرة في الصغر، ولرجال السياسة في الكبر، ويجب أن يوضع حد لذلك إن أردنا شبابا صالحين يخدمون وطنهم وأمتهم».
وبذا انتهى المقال.
***
واسطة العقد في عدد مجلة «الهلال» الذي هو موضع حديثنا هنا، قصيدة رائعة نظمها الشاعر المبدع علي محمود طه، وهو من شعراء الرومانسية العرب المحدثين الذين يأسر نغمهم القارئ، ويستهويه أسلوبهم في الدخول على موضوعات شعرهم.
ولد هذا الشاعر في سنة 1901، وتوفي في سنة 1949، له قصائد رائعة دخلت سجل الغناء العربي، ومنها قصيدة الجندول وكليوباترا اللتان لحنهما وغناهما الفنان المبدع الكبير محمد عبدالوهاب، ولا يزال الناس يطربون لسماعهما.
وللشاعر ـ أيضا ـ قصائد أخرى غناها غير هذا الفنان البارع الذي ذكرناه، ولكن الإشارة الأولى كافية.
جمع علي محمود طه روائعه الشعرية ـ إبان حياته ـ في دواوين، واهتم بطبعها وهي:
٭ ليالي الملاح التائه في سنة 1940
٭ أرواح وأشباح في سنة 1942.
٭ الملاح التائه في سنة 1943
٭ زهر وخمر في سنة 1943.
واشتهر بلقب «الملاح التائه» لكثرة أسفاره، وكثرة ما قاله فيها من قصائد، ولقب كذلك بالمهندس، لأنه كان قد تخرج سنة 1942 في مدرسة الفنون التطبيقية، بعد أن درس فيها هندسة المباني، وعمل في مجال تخصصه عند بدايات تخرجه، ثم قام ـ بعد ذلك ـ بأعمال أخرى، منها:
٭ مدير مكتب وزير التجارة.
٭ سكرتير مجلس النواب.
٭ وكيل دار الكتب المصرية.
ثم تفرغ للشعر
أما قصيدته التي أشرنا إليها فهي تصوير لحالة من حالات أسفاره العديدة ذكر فيها إحدى المدن الفرنسية الجميلة، وجعل عنوانها «البحر والقمر» وذكر إلى جانب ذلك أنها «من ذكريات مدينة كان بالريفييرا الفرنسية».
و«كان» مدينة ساحلية تقع في جنوبي فرنسا على ساحل الريفييرا الشهير، المعروف بشواطئه الجميلة التي تجلب السياح من كل مكان، ويلاحظ زائرها، وكأنها معدة لاستقباله، وبخاصة في فصل الصيف وهو أزهى مواسمها، حيث الفنادق الراقية، والمطاعم الفخمة، والمقاهي المحيطة بالساحل وكأنها نجوم السماء.
و«كان» موقع مثالي لمحبي الفخامة، والعيش الرغد الهادئ، وهي في كل الأذهان: درة البحر الأبيض المتوسط.
وهي ومض التاريخ، فإن أبرز الأحداث التي ترى فيها: مهرجان كان السينمائي الشهير الذي يقام فيها عادة في شهر مايو من كل سنة، فيحضر إليه كبار ممثلي وممثلات العالم، ومجموعات كبيرة من المشاهدين.
وإلى هذا المكان الجميل ذهب هذا الشاعر، واستوحى منه قصيدة: «البحر والقمر» التي نشرتها مجلة «الهلال» التي عرضنا هنا شيئا مما ورد في واحد من أعدادها القديمة، وهذا نموذج آخر من النماذج الجميلة التي وردت فيه. يقول:
تساءل الماء فيكِ والشّجـر:
من أين يا (كان) هذه الصّور؟
البحر والحور فيه سابحة
رؤى، بها بات يحلم القمر!
أطلّ، والضوء راقص غزل
دعـاه قلب، وشاقه بصر
يهمس فيما يراه مِنْ فتن
آلهة هؤلاء؟ أم بشر؟
يقفز من لجّة، إلى حجر
كأنّما مسّ روحه الضّجر
معربدا لا يريم سابحة
إلاّ ومنه بثغرها أثر
من كل (حواء) مثلما خلقت
يعجب منها الحريـر والوبر
ألقته عنها رقائقا، ونضت
جسما تحامى نداءه القدر
في حانة ما علت بها عمد
ولا استوى في بنائها حجر
جدرانها الماء، والسماءُ لها
سقيفه، والنّسائم والسّتر
خمّارها منشد، وسامرها
حور تلوّى، وفتية سكروا
لم تبق في الشّـطّ منهمو قدم
قد خوّضوا في العباب وانتثروا
وشيّعوا العقل حينما شربوا
وودّعوا القلب حيثما نظروا
مازلن والبحر في توثّبه
يرغي كَمَنْ راع قلبه خطر
قد جاوز اللّيل نصفه، فمتى
تؤمّ فيه أصدافها الدّرر
فليصخب البحر ولتئنّ به
رماله، وليثرثر الشّجر
ولتعصف الرّيح فوق مائجه
ولينبجس من غَماَمِهِ المطر
أقسمن لا ينتحين شاطئه
وإن ترامى بمائه الشّرر
حتى يُرى وهو فضّة ذهب
تمازج اللّيل فيه والسّحر***
هذه هي نهاية العرض، ولكن ما يستحق الذكر كثير، وحسبنا أننا أوردنا نماذج لأفكار رجال الأمس.













