نشرت في
حذّر جوناثان كونريكوس، المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي والباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، من أن وقف إطلاق النار الحالي لا يمثل أكثر من هدنة هشة تمنح كل الأطراف مساحة للالتقاط الأنفاس والاستعداد لمواجهة عسكرية وصفها بالحتمية.
اعلان
اعلان
وقال كونريكوس لموقع “ذا ميديا لاين” إن “مشهد المنطقة حالياً تحكمه غريزة الاستعداد لا التهدئة”.
وأوضح: “كل الأطراف، إيران وإسرائيل ودول الخليج وحزب الله وبقية الوكلاء الإيرانيين، يستخدمون هذا الوقت عسكرياً لإعادة التزود والتحضير لما هو قادم على الأرجح”.
وأشار إلى أن دول الخليج “تسابق الزمن لتحسين دفاعاتها”، فيما تعمل إسرائيل على إعادة ملء مخزوناتها الهجومية والدفاعية، بينما يحاول النظام الإيراني “أن يفعل الشيء نفسه ليحصّن نفسه أمام أي سيناريو”.
المفاوضات مع إيران
وفي ملف المفاوضات النووية، شخّص كونريكوس مأزقاً بنيوياً لا يبدو قابلاً للانفراج. وقال: “الحد الأقصى الذي تقبل طهران مناقشته لا يلامس حتى الحد الأدنى الذي تطرحه واشنطن”.
واعتبر أن إيران، التي تئن تحت العقوبات الاقتصادية وتضرر بنيتها التحتية للطاقة، لم تعد تملك رفاهية إملاء الشروط. لكنه استدرك: “النظام الإيراني منكفئ، لكنه لم يُقض عليه”.
وقدّر كونريكوس أن قدرة طهران على إبراز قوتها في المنطقة وتصنيع الصواريخ الباليستية والمسيّرات قد تضررت “بشكل كبير”، لكنه شدد على أن هذا التآكل “ليس نهائياً”.
وتوقع أن يعود النظام الإيراني، خلال “فترة وجيزة نسبياً”، إلى برنامجه النووي وتطوير ترسانته الصاروخية ودعم التنظيمات المسلحة، إذا ما بقي في السلطة دون رادع. واختصر الأمر بالقول: “لا إشارة تدل على أن النظام يغير بوصلته”.
لبنان.. قتال تحت سقف هش
أما في لبنان، فرأى كونريكوس أن مصطلح “وقف إطلاق النار” تحول إلى غطاء فضفاض لا يصف ما يجري. وقال: “لدينا اتفاق على الورق، لكنه لا يعني وقف العمليات العسكرية بين الطرفين”. إسرائيل، بحسب وصفه، تشن عمليات “للدفاع عن سكان الشمال” وتقويض قدرات حزب الله، فيما لا يزال الحزب يطلق الصواريخ والمسيّرات ويشتبك مع القوات الإسرائيلية المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية.
أما المجال الوحيد الذي تتقيد فيه إسرائيل بالطلب الأميركي، بحسب كونريكوس، فهو تجنب توجيه ضربات كاسحة لأصول حزب الله الاستراتيجية في بيروت والبقاع. وقال: “هنا فقط يمكن الحديث عن هدوء نسبي”.
“المطلوب حسم لبناني”
قلل كونريكوس من أهمية نهر الليطاني كخط فاصل استراتيجي. وقال: “لا أرى فيه أي أهمية حاسمة. ما يجب أن يحدث هو قرار لبناني بقطع الطريق بين إيران وحزب الله، ومنع تدفق السلاح المتطور والتقليدي”.
وذهب إلى أن أي تسوية ستبقى هشة ما لم تبادر الحكومة اللبنانية بنفسها إلى تحرك ميداني. وقال: “حين تصدر بيروت أمراً للجيش اللبناني بالتحرك عسكرياً ضد حزب الله، حتى لو تكبدت خسائر، عندها نعرف أن المعادلة تغيرت”.
وأضاف أنه في تلك اللحظة ينبغي أن تمنح إسرائيل “كل ما تملكه من دعم استخباراتي وعملياتي ودبلوماسي”، مع الحرص على عدم إرباك الحكومة اللبنانية في الداخل.
أكد كونريكوس أن “الجيش ضروري، لكنه لن يحقق وحده الأمن طويل المدى الذي تحتاجه إسرائيل”. ودعا إلى تشغيل المسار الدبلوماسي والمالي وأدوات الضغط غير العسكرية، إلى جانب دعم الجيش اللبناني والحكومة المركزية، لملء الفراغ القائم.
**غزة.. “**قانون الغاب”
في قطاع غزة، وصف كونريكوس الواقع بأن حماس “لا تزال تمسك بنحو نصف القطاع”، وإن بطريقة لا تشبه الدولة. وقال: “البيروقراطية انهارت. ما هو قائم هو قانون الغاب، حكم الأكثر قسوة وعنفاً، والحركة ما تزال مسلحة وتتحكم بالسكان”.
قال كونريكوس بصراحة: “حماس لم تكن في أي يوم لتسلم سلاحها طواعية. السبيل الوحيد هو هزيمتها”. وأقر بأن هذه العملية طويلة ومكلفة سياسياً، ولا تتماشى مع “الأجندات الانتخابية الأميركية أو الإسرائيلية”.
الأنفاق.. شبكة لا تزال تحتفظ بأسرارها
وحول مدى تضرر الأنفاق، نقل كونريكوس أن آخر تقديرات إسرائيلية علنية تشير إلى تدمير نحو ستين بالمئة منها، لكنه أبدى حذره من الرقم.
وقال: “أتعامل مع هذه النسبة بكثير من التحفظ، لأن الفجوة بين ما نعرفه وما تجهله استخباراتنا لا تزال شاسعة”. ووصف الأنفاق بأنها “شبكة عنكبوتية لا نهائية من حيث الحجم والعمق والتنوع، حفرتها حماس طوال سنوات”.
وعمّم هذا الحذر على كل الملفات الاستخبارية، مضيفاً: “علمتنا التجربة أن تقديرات الاستخبارات تميل أحياناً إلى تفاؤل مفرط، سواء في إيران أو حزب الله أو حماس”.
اختتم كونريكوس بخلاصة تطاول الجبهات الثلاث. وقال: “لا فرق بين أن تدمر أربعين بالمئة من قدرات خصمك أو ثمانين، طالما أنك لم ترغمه على الاستسلام الكامل ورفع الراية البيضاء”.
واعتبر أن “التآكل الجزئي مهم عملياتياً، لكنه لا يحسم شيئاً ولا يغلق ملفاً”.













