انطلق مؤتمر برلين اليوم الأربعاء في العاصمة الألمانية، في محاولة دولية جديدة للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية الخانقة وتعزيز الدعم للمدنيين. يأتي هذا التحرك في وقت يغرق فيه البلد في مأساة حقيقية بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، وهي المواجهات الدامية التي حصدت أرواح أكثر من 150 ألف شخص، وتركت نحو 25 مليون إنسان يواجهون خطراً محدقاً بالمجاعة. ورغم فداحة هذه الكارثة الإنسانية، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام العالمي الكافي، بل دخلت في طي النسيان والتجاهل، في حين تستأثر أزمات دولية أخرى باهتمام المجتمع الدولي.
جذور الصراع: كيف انزلقت البلاد إلى نفق مظلم؟
تاريخياً، لم تكن الأزمة الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسنوات من عدم الاستقرار السياسي والتوترات الأمنية التي عصفت بالبلاد. فقد شهد السودان تحولات سياسية كبرى وتراكمات لصراعات مسلحة في أقاليم مختلفة، أبرزها إقليم دارفور. ومع تصاعد التوترات بين الفصائل العسكرية وغياب التوافق السياسي، تفجرت الأوضاع لتتحول إلى نزاع شامل. هذا السياق التاريخي المعقد جعل من الصعب إيجاد حلول جذرية سريعة، مما أدى إلى إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين نيران المعارك وتدهور البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية.
تجاهل عالمي وسط استمرار الحرب في السودان
تحت عنوان «السودان لا يكاد يعني شيئاً لهذا العالم»، سلطت صحيفة «زود دويتشه» الألمانية الضوء على هذا التجاهل. واعتبرت الصحيفة أن مؤتمر برلين الدولي قد يبعث بعض الأمل، لكنها تساءلت بمرارة عما إذا كان المجتمع الدولي سيجد الإرادة والقوة الكافيتين لكبح جماح هذه الحرب، لتجيب بشكل قاطع: «لا، هذا لن يحدث». وأشارت الصحيفة إلى مجازر مدينة الفاشر، مؤكدة أنه رغم التوقعات بوقوعها، لم تبذل أي جهة دولية جهوداً حقيقية لمنعها، رغم أنها قد ترتقي إلى مصاف جرائم الإبادة الجماعية. وأضافت أن القتال مستمر، ومعه ينمو «اقتصاد الحرب» الذي تستفيد منه الأطراف المتنازعة، بينما يغرق الشعب في مزيد من المعاناة التي لن يتمكن مؤتمر برلين وحده من حلها.
مأساة الفاشر: خذلان دولي وتحذيرات متجاهلة
من جانبها، سلطت صحيفة «دي تسايت» الأسبوعية الضوء على مأساة مدينة الفاشر في مقال بعنوان «خيانة سكان الفاشر». ووجهت الصحيفة اتهامات صريحة للولايات المتحدة وبريطانيا بتجاهل تحذيرات واضحة من احتمال وقوع إبادة جماعية. وذكرت التقارير أنه مع سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر الماضي على المدينة، وقع ما حذر منه السكان وأجهزة المخابرات؛ حيث قُتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال 72 ساعة فقط، ولا يزال نحو 40 ألفاً في عداد المفقودين. ورغم علم المسؤولين في الخارجية الأمريكية باحتمال وقوع جرائم حرب، إلا أنه تم التقليل من أهمية تلك التحذيرات.
تداعيات الأزمة إقليمياً ودولياً وغياب المساءلة
إن استمرار هذا النزاع لا يقتصر تأثيره على الداخل السوداني فحسب، بل يمتد ليشكل تهديداً كبيراً للأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ودول الجوار. فموجات النزوح الجماعي واللجوء تضع ضغوطاً هائلة على اقتصادات الدول المجاورة، وتخلق بيئة خصبة لتفاقم الأزمات الإنسانية العابرة للحدود. وعلى الصعيد الدولي، يمثل هذا الفشل في حماية المدنيين ضربة للمواثيق الأممية. فمعاهدة منع الإبادة الجماعية لعام 1948 تلزم الدول بالتحرك، كما أن مبدأ «مسؤولية الحماية» الصادر عن الأمم المتحدة عام 2005 يسمح بالتدخل لحماية المدنيين عند فشل الدولة، لكن في حالة الفاشر، لم يتم تفعيل أي من هذه الالتزامات.
هل من أمل للضحايا؟
ورغم الجهود الدبلوماسية الجديدة، تبدو فرص إحداث تقدم حقيقي ضعيفة في ظل ازدحام أجندة السياسة الدولية بحروب وأزمات أخرى. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أنه حتى لو تجاهل العالم بأسره هذه الكارثة، فإنها تظل واقعاً مريراً يعيشه الملايين يومياً. إن أبسط ما يطلبه ضحايا هذا الصراع المنسي هو أن ينظر العالم إليهم وإلى معاناتهم، لأن الاعتراف بالضحايا وتسليط الضوء على مأساتهم هو الحد الأدنى من الواجب الإنساني والأخلاقي الذي يجب على المجتمع الدولي الالتزام به.
The post 3 سنوات على الحرب في السودان: صمت دولي ومأساة إنسانية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













