- د.سعاد يحيى: تنظيم مواعيد النوم يمكّن الجسم من التكيف تدريجياً ليصبح الصيام عاملاً إيجابياً لتحسين التوازن الهرموني والصحة العامة
- د.محمد البدر: اختلال التزامن بين الساعة البيولوجية المركزية والطرفية يفسر شيوع النعاس النهاري واضطرابات النوم خلال رمضان
- مع حلول شهر رمضان المبارك وتغير وقت النوم نظرا لطبيعة الشهر الفضيل، نجد البعض يصاب باضطرابات في النوم مع تغيير نمط الحياة اليومية.
في هذا الإطار، أكد استشاري أمراض الجهاز التنفسي واضطرابات النوم د.محمد البدر أن الصيام خلال شهر رمضان يعد نموذجا فريدا للتغيرات الزمنية في نمط الحياة، حيث يطرأ تعديل ملحوظ على مواعيد تناول الطعام، والنوم، والنشاط اليومي.
وقال ان النوم يرتبط ارتباطا وثيقا بتنظيم الساعة البيولوجية للجسم، والتي تتأثر بعوامل متعددة مثل الضوء، والوجبات، والنشاط البدني. وخلال شهر رمضان، يمتنع الصائمون عن الطعام والشراب من الفجر حتى غروب الشمس، مع تحويل غالبية المدخول الغذائي إلى ساعات الليل، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطراب الإيقاع اليومي للنوم والاستيقاظ. وأوضح أن الدراسات تشير إلى أن شهر رمضان يترافق مع تأخر وقت النوم الليلي، وزيادة الاستيقاظ الليلي بسبب السحور، وانخفاض مدة النوم الليلي المستمر، وتعويض جزئي للنوم عبر القيلولة النهارية، لافتا إلى أن دراسات أظهرت عبر استخدام تخطيط النوم Polysomnography انخفاضا في مدة النوم الكلي ونسبة النوم العميق لدى بعض الصائمين.
وأوضح د.البدر أن توقيت الوجبات يلعب دورا مهما في ضبط الساعة البيولوجية الطرفية، لافتا إلى ان تأخير الوجبات قد يؤدي إلى تأخر إفراز هرمون الميلاتونين، انزياح مرحلة النوم Phase Delay، واختلال التزامن بين الساعة البيولوجية المركزية والطرفية وهو ما يفسر شيوع النعاس النهاري واضطرابات النوم خلال الأسابيع الأولى من رمضان.
وأشار إلى أن هناك تأثيرا للصيام على جودة وبنية النوم، لافتا إلى أن بعض الدراسات سجلت تراجعا في كفاءة النوم وزيادة الاستيقاظ الليلي، ودراسات أخرى لم تظهر تغيرات سلبية كبيرة، خاصة لدى الأشخاص الذين يحافظون على مواعيد نوم منتظمة، كما لوحظ أن تقليل استهلاك الكافيين والتدخين خلال رمضان قد يحسن جودة النوم لدى فئات معينة.
وفيما يخص التغذية الليلية وعلاقتها بالنوم، أفاد بأن نوعية وتوقيت الطعام بعد الإفطار والسحور يؤثر مباشرة على النوم، مبينا أن الوجبات الدسمة المتأخرة قد تزيد من اضطرابات النوم وارتجاع المريء، كذلك الكربوهيدرات المعقدة والبروتينات قد تساعد في تحسين الشبع واستقرار النوم، وأن اضطرابات سكر الدم الليلية قد تسهم في الاستيقاظ المتكرر.
وأشار د.البدر إلى أن مرضى اضطرابات النوم قد يتأثرون خلال شهر رمضان، ومنهم مرضى الأرق، اضطراب تأخر مرحلة النوم، ومرضى انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، مشيرا إلى أن بعض الدراسات تشير إلى تراجع الالتزام بالعلاج بجهاز الضغط الهوائي الإيجابي بسبب تغير مواعيد النوم، مما قد ينعكس سلبا على الأعراض النهارية.
فترة استثنائية في نمط الحياة اليومية
من جانبها، قالت أستاذ طب وجراحة الأنف والأذن والحنجرة د.سعاد يحيى إن شهر رمضان يعد فترة استثنائية في نمط الحياة اليومية، حيث تتغير مواعيد النوم والاستيقاظ وتختلف العادات الغذائية، مما يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم واليقظة، وإفراز الهرمونات، ودرجة حرارة الجسم، ومستوى التركيز والنشاط خلال اليوم، حيث يميل كثير من الناس إلى السهر لوقت متأخر بعد الإفطار، ثم الاستيقاظ قبيل الفجر لتناول السحور وأداء الصلاة، ويلي ذلك نوم متقطع أو قصير.
وأشارت إلى أن هذا النمط يؤدي إلى نقص عدد ساعات النوم الكلي، وتقطع النوم، وعدم الوصول إلى مراحل النوم العميق بشكل كاف، مع اختلاف توقيت النوم عن الإيقاع الطبيعي للجسم، كما يؤدي تغير مواعيد النوم والاستيقاظ، مع التعرض للضوء الصناعي ليلا وقلة التعرض لضوء الشمس نهارا، إلى خلل في الساعة البيولوجية، وينتج عن ذلك اضطراب إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم مع شعور بالإرهاق والكسل خلال النهار وضعف التركيز والقدرة على الإنجاز.
هرمونات الساعة البيولوجية
وأوضحت د.يحيى أن الساعة البيولوجية تلعب دورا محوريا في تنظيم وظائف الجسم اليومية، لافتة إلى أن هذا النظام الداخلي يعتمد على توازن دقيق بين عدة هرمونات تتأثر مباشرة بتوقيت النوم والاستيقاظ، والتعرض للضوء، ومواعيد تناول الطعام، لافتة إلى أنه خلال شهر رمضان، ومع تغير نمط الحياة، يطرأ تأثير واضح على هذه الهرمونات وانعكاساتها على الصائم.
وأضافت ان الصداع يعد من أكثر الأعراض شيوعا خلال الأيام الأولى من الصيام، حيث يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها قلة النوم أو عدم انتظامه، والانقطاع المفاجئ عن المنبهات مثل القهوة والشاي، إضافة إلى الجفاف وقلة السوائل، وانخفاض مستوى السكر في الدم، خاصة في الساعات الأخيرة قبل الإفطار، وغالبا ما يتراجع هذا الصداع تدريجيا مع تكيف الجسم على نمط الصيام الجديد.
اضطراب النوم
وقالت ان تأثير اضطراب النوم لا يقتصر على الصداع فقط، بل قد يمتد ليشمل أعراضا أخرى مثل الدوخة، والإجهاد العام، وتقلب المزاج، وسرعة الانفعال، إلى جانب اضطرابات في الجهاز الهضمي وشعور دائم بالنعاس خلال النهار، وهو ما ينعكس على الأداء في العمل والدراسة.
ومع تنظيم مواعيد النوم، والحرص على سحور صحي، وتقليل السهر، يستطيع الجسم التكيف تدريجيا، ليصبح الصيام عاملا إيجابيا لتحسين التوازن الهرموني والصحة العامة بدلا من كونه مصدرا للإجهاد. وتبدأ الوقاية من هذه الأعراض بتنظيم نمط الحياة خلال الشهر الكريم، من خلال الحرص على النوم لعدد كاف من الساعات، وتقليل السهر غير الضروري، والحد من تناول المنبهات ليلا، مع الإكثار من شرب السوائل بين الإفطار والسحور.
كما ينصح بتناول وجبة سحور متوازنة، والتعرض لضوء الشمس صباحا للمساعدة في إعادة ضبط الساعة البيولوجية.
واكدت ان رمضان يبقى فرصة لإعادة ترتيب العادات الصحية إلى جانب العادات الروحية، فالتوازن بين العبادة والراحة والنوم المنتظم كفيل بأن يجعل الصيام تجربة صحية وآمنة، بعيدا عن الصداع والإرهاق، وقريبة من صفاء الجسد والروح، حيث لا يقتصر الصيام على كونه عبادة روحية، بل يمثل منظومة متكاملة تعود بفوائد صحية ونفسية واجتماعية عديدة، فالصيام يمنح الجسم فرصة للراحة وتنظيم وظائفه الحيوية، ويساعد على ضبط الساعة البيولوجية وتحسين التوازن الهرموني، وتعزيز كفاءة الجهاز الهضمي والمناعي. كما يسهم في تهذيب السلوك، وتقوية الإرادة، وتنمية الشعور بالانضباط والصبر.
ومع الالتزام بنمط حياة صحي خلال شهر رمضان، يصبح الصيام وسيلة فعالة لتجديد طاقة الجسد وصفاء الذهن، وتحقيق التوازن بين صحة الإنسان وروحانيته.













