بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
منذ أن قررت إسرائيل فتح معبر رفح وبعد شدّ وجذب بخصوص عدد المسافرين في الجهتين، تتوالى الشهادات عما عاناه العائدون على يد الجيش الإسرائيلي والمليشيات الفلسطينية الموالية له.
استغرقت الرحلة نحو عشرين ساعة قبل أن تصل الحافلة الصغيرة إلى خان يونس مساء الاثنين 2 فبراير شباط 2026، وعلى متنها 12 فلسطينياً فقط، بينهم ثلاثة أطفال. وكانت هذه أول دفعة تعبر إلى قطاع غزة بعد إعادة تشغيل معبر رفح جزئياً، عقب إغلاق استمر قرابة عشرين شهراً.
غير أن العودة التي انتظرها كثيرون تحوّلت، بحسب روايات العائدين، إلى مسار طويل من التفتيش والتحقيق والقيود الأمنية، قبل الوصول إلى قطاع يعاني دماراً واسعاً ونقصاً حاداً في الخدمات الأساسية جرّاء الحرب.
عبور محدود وأرقام دون المتوقع
وصلت الحافلة في وقت متأخر من مساء الاثنين 2 فبرايرشباط 2026، ونُقل الركاب إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، في ظل غياب مرافق استقبال متكاملة نتيجة الدمار الكبير الذي طال البنية التحتية خلال الحرب. وجاءت إعادة تشغيل المعبر ضمن ترتيبات مرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، مع حديث عن إمكانية عبور نحو 50 شخصاً يومياً في الاتجّاهين، إلا أن الأعداد الفعلية بقيت أقل من ذلك في الأيام الأولى.
وتظهر بيانات حركة الدخول والخروج عبر المعبر خلال الأيام الأربعة الأولى محدودية التشغيل الفعلي. فبحسب إحصاءات رسمية لحركة العبور، سُمح يوم الاثنين 2 فبراير بخروج 15 مريضاً ومرافقين مقابل عودة 12 شخصاً. وفي اليوم التالي (3 فبراير) خرج 56 مريضاً ومرافقين وعاد 40. أما الأربعاء (4 فبراير)، فقد غادر 46 وعاد 25، فيما لم يُسجّل أي عائد يوم الخميس (5 فبراير) رغم خروج 21 مريضاً مع مرافقيهم.
وتعكس هذه الأرقام تذبذباً واضحاً في وتيرة حركة العبور، مقارنة بحجم الاحتياجات المعلنة سواء للمرضى داخل القطاع أو للعالقين خارجه. وتشير تقديرات أممية إلى وجود نحو 80 ألف فلسطيني في مصر ينتظرون السماح لهم بالعودة إلى غزة.
في المقابل، تؤكد مصادر طبية رسمية في القطاع أن آلاف الحالات لا تزال بحاجة إلى إحالات عاجلة، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.
حالات حرجة ومستعجلة وقوائم انتظار طويلة
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن نحو 20 ألف مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، بينهم 4500 طفل و4500 مريض سرطان، إضافة إلى 450 حالة حرجة جداً لا تحتمل أي تأخير. وقال مدير مجمع الشفاء الطبي، محمد أبو سلمية، إن الآلية الحالية التي تسمح بخروج نحو 50 مريضاً يومياً غير كافية، وقد تستغرق سنوات لإخراج جميع الحالات المحتاجة. وأضاف أن القطاع فقد أكثر من 1300 مريض كانوا ينتظرون دورهم للعلاج، نتيجة تدمير مستشفيات ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأشار أبو سلمية إلى تسجيل تشخيص ما بين خمس إلى ست حالات سرطان جديدة يومياً في غزة، إضافة إلى وجود حالات حرجة تتطلب تدخلات جراحية عاجلة غير متوفرة داخل القطاع، في ظل استمرار القيود ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
تفتيش وتحقيقات.. بين مطرقة الجيش وسندان المليشيات
يروي عائدون أنهم خضعوا لإجراءات تدقيق واستجواب من قبل الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى توقيفات متكرّرة على شارع صلاح الدين، الذي يخضع لرقابة عسكرية مشدّدة.
في شهادة ليورونيوز، قالت الفلسطينية صباح الرقب إن الحافلة توقفت عند نقطة تنتشر فيها مجموعات مسلحة محلّية، يقول عائدون إنها تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، حيث طُلب من الركاب النزول وإنزال أمتعتهم لتفتيشها. وأضافت السيدة أنه بعد ذلك تم تسليمهم للجيش، حيث خضعوا لتحقيق تخلّله صراخ وتهديد، وتم تقييد أيدي بعضهم وتغطية أعينهم قبل نقلهم لاستكمال الاستجواب.
هدى أبو عابد، التي عادت بعد عام من العلاج في مصر، قالت إن الحافلة كانت تسير بين آليتين عسكريتين إسرائيليتين، وأن تلك المجموعات المسلحة كانت حلقة الوصل بين تلك الحافلة وبين الجيش. وأوضحت الشاهدة أنه تم استدعاء العائدين بالاسم، وتقييد يديها وتغطية عينيها ونقلها إلى غرفة تحقيق استمر بين ساعتين وثلاث ساعات، قبل أن يُعاد نقلها لاحقاً إلى خان يونس.
أما أم رائد، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها كاملاً خوفاً من تبعات أمنية، فقالت إن التحقيقات استمرت لفترات طويلة وترافقت مع تهديدات مباشرة، مضيفة أن الجنود كانوا يكرّرون السؤال التالي: “لماذا عدتم؟”، مع تحذيرات من أن أي سلوك “غير مقبول” قد يعرضّهم للقصف أو الملاحقة.
وخلال إعداد هذا التقرير، أحجم عدد من العائدين عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسجيل مقابلات، مشيرين إلى مخاوف من تبعات أمنية محتملة أو إجراءات قد تطالهم لاحقاً.
ومن جانبه، قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، في اتصال هاتفي، إن المكتب توقّف عن الإدلاء بأي تصريحات بشأن آلية وظروف العودة عبر معبر رفح، خوفا من أن تؤدي التصريحات إلى عراقيل إسرائيلية إضافية على حركة المعبر.
معاملة مهينة وانتهاك لحقوق المدنيين العائدين
وفي تعليق قانوني على هذه الشهادات، قال الدكتور أحمد العويطي، الخبير في القانون الدولي، إن إخضاع المدنيين العائدين للتحقيق القسري، وتقييد الأيدي، وتغطية الأعين دون وجود اتهام فردي أو إجراءات قانونية واضحة، يعدّ مخالفة لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
وأوضح أن اتفاقية جنيف الرابعة تكفل حماية المدنيين في أوقات النزاع وتحظر المعاملة القاسية أو المهينة، مشيراً إلى أن استخدام إجراءات أمنية عقابية بحق مدنيين لمجرّد عودتهم إلى مناطقهم يثير مخاوف قانونية جدّية تتعلق بحرية التنقل وحماية هؤلاء العائدين. وأضاف الأكاديمي الفلسطيني أن إشراك جهات مسلحة غير نظامية في عمليات التفتيش أو التنسيق الأمني يفاقم هذه المخاوف في ظل غياب آليات مساءلة واضحة.
صدمة الوصول إلى الداخل
وبعد ساعات من التحقيق والتفتيش، لم يكن الوصول إلى داخل القطاع نهاية المعاناة. اعتدال ريان، 29 عاماً، عادت إلى غزة بعد رحلة علاج في مصر إثر إصابة في ساقها. وقالت إنها كانت تدرك حجم الدمار، إلا أن المشهد عند العودة كان صادماً، أحياء واسعة سُوّيت المنازل والمباني فيها بالأرض فأصبحت مجرد أكوام من ركام، و ناهيك عن الخدمات الأساسية التي هي شبه غائبة.
بدوره، أوضح زوجها أحمد أن منزل العائلة في منطقة الصفطاوي شمال القطاع دُمّر خلال الحرب، وقال إن الأسرة ستعيش الآن في خيمة داخل مدينة غزة، مضيفاً أنه تمكّن من توفير ثلاث فرشات لينام عليها خمسة أفراد.
ورغم ذلك، تؤكد اعتدال أن قرار العودة لم يكن مثار شك أو محل تردّد، معتبرة أن البقاء مع العائلة وعلى الأرض، حتى في ظل ظروف قاسية، يبقى أولوية.
ترحيب دولي ومعاناة إنسانية وضغوط مستمرة
وكانت إعادة تشغيل معبر رفح جزئياً قد قوبلت بترحيب أممي حذر. فقد أشاد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، بالخطوة، معتبراً أنها تمثل تقدماً، لكنه شدّد على ضرورة أن يعمل المعبر كممرّ إنساني حقيقي ومستدام لإيصال المساعدات المنقذة للحياة.
كما وصفت قطر فتح المعبر بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح لمعالجة الأوضاع الإنسانية والصحية، مؤكدة أهمية الالتزام الكامل باتفاق وقف إطلاق النار وفتح المعابر لضمان تدفق المساعدات دون عوائق.
من جهته، اعتبر رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، أن تشغيل المعبر في الاتجاهين يشكل محطة مهمة لتنظيم حركة التنقل والتخفيف من الأعباء الإنسانية، لا سيما للمرضى والجرحى والطلبة ولمّ شمل العائلات.
وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن الحرب خلّفت دماراً واسعاً طال نسبة كبيرة من البنية التحتية المدنية في غزة، في وقت يواجه فيه نحو 2.4 مليون نسمة نقصاً حاداً في الكهرباء والمياه والخدمات الصحية.
وفي أيامه الأولى، بدا فتح معبر رفح اختباراً عملياً لآلية العبور الجديدة، بأعداد محدودة وإجراءات تدقيق مشددة، فيما يبقى آلاف الفلسطينيين في مصر بانتظار دورهم للعودة إلى قطاع لا يزال يرزح تحت أزمة إنسانية غير مسبوقة.













