عندما نتحدث عن جاسم صفر الهيدوس، فإننا لا نتحدث فقط عن علم من أعلام قطر العصاميين، وإنما نتحدث عن شخصية قطرية متعددة المواهب، غزت بروحها الوثابة وسمو أحاسيسها مجالات الإذاعة والصحافة والأدب والشعر والدراما الإذاعية والمسرحية والأغنية العاطفية والوطنية والرياضية والكتابة للطفل، تاركة في كل مجال بصمة خاصة ستخلدها الأيام وستتذكرها الأجيال، ومخلفة وراءها إرثاً من الإبداع سيكون مرجعاً وأرشيفاً لمن سيأتي بعده.
ومن هنا كان رحيله في 16 يناير من عام 2023 حدثاً صادماً للأوساط الإعلامية والثقافية والفنية في قطر والخليج العربي، وخبراً مؤلماً لكل من عرفه وعمل أو تعاون معه، بدليل مسارعة العديد من زملائه ومحبيه إلى رثائه بكلمات معجونة بالدموع والأسى.
نعم، رحل جاسم صفر المكنى «أبو علي» عن عمر ناهز 72 عاماً، كرس جله لخدمة بلده وناسه بصدق وشغف في المجالات التي اقتحمها وبرز فيها، لكن اسمه سيظل يتردد على ألسنة الأجيال المتعاقبة كلما استمعتْ إلى «عيني قطر»، الأغنية التي كتب كلماتها بقلب ينبض بحب الوطن، أو كلما شجعتْ مباراة لمنتخبها الوطني بمصاحبة «يا منتخبنا الغالي»، الأغنية الرياضية الأشهر التي كتب كلماتها لترسيخ روح الانتماء الوطني والرياضي، أو كلما شاهدتْ مسلسلاً تلفزيونياً محلياً بمقدمات ونهايات هو من كتب كلماتها.
نعاه صديقه ورفيق دربه الإعلامي والروائي والأكاديمي الدكتور أحمد عبدالملك، رحمه الله، الذي أصدر كتاباً عنه بعنوان «جاسم صفر.. عاشق الكلمة»، فقال: «إن الراحل امتلك الحاسة النقدية، وكذلك تميز بقلمه المتميز، وهو من النوع الملتزم والصامت والهادئ، وبرحيله أقول، إن الثقافة القطرية فقدت عنصراً هاماً من عناصر الإنتاج الأدبي المنوع، فهو من كتب القصة وكتب الشعر والنثر والسيرة أيضاً، وسوف نفتقده في الساحة الأدبية والفنية».
ورثاه صديقه الفنان والملحن مطر علي، فقال: «رحل جاسم صفر عن عالمنا، رحمه الله، وترك فراغاً كبيراً لدي، وفراغاً أكبر في ساحة الأغنية، كونه يكتب المفردة القطرية الشعبية الجميلة سواء كانت وطنية أم عاطفية أم اجتماعية، وقد ترك لنا أغاني كثيرة ما زالت موجودة ومحفورة في وجداننا».
أما الفنان علي عبدالستار، الذي تعاون مع الراحل في أكثر من عمل، فقد تحدث عنه قائلاً: «جاسم صفر له مفردة في كتاباته تختلف عن أي مؤلف آخر. بالنسبة لي هو (المنقذ)، فهو الوحيد الذي يستطيع تلقي الجملة الموسيقية، فنجلس معاً ويقوم بصياغة الكلمات من خلال اللحن».
وأما مبارك بن ناصر آل خليفة الأمين العام الأسبق للمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر، فقد قال: «ما أصعب اللحظات التي نتحدث فيها عن صديق عزيز تزاملنا معه في كثير من اللقاءات الثقافية والأخوية. جاسم صفر، صاحب الابتسامة الدائمة حتى في أحلك وأصعب الظروف، لا أعرف كيف أبدأ الكلمات عنه ككاتب أم إعلامي أم شاعر أم كاتب أغنية، فقد عاش وعاصر الزمن الجميل على مدى رحلة ثقافية استمرت ما يقرب من السبعين عاماً، كان له فيها حضور في الإذاعة والثقافة والصحافة والحوارات الثقافية والأدبية وكتابة القصة».
كان ميلاد «جاسم بن علي بن صفر الهيدوس» في عام 1951 ابناً لأسرة تنتمي إلى عائلة الهيدوس، التي تعتبر من العائلات القطرية الكريمة المعروفة والتي أعطت لبلدها أسماء كثيرة في مجالات عدة. ولد وعاش ونشأ الفقيد بمدينة الخور الساحلية على بعد 50 كيلومتراً من شمال العاصمة الدوحة، لذا احتل البحر مكانة سامية في حياة صاحبنا منذ سنواته الأولى حينما كان يذهب إليه للسباحة واللهو، ثم صارالصيد البحري هواية من هواياته حينما كبر، بل كان البحر على الدوام ملهمه ومكاناً يهرب إليه للتأمل والتفكير والقراءة، خصوصاً أنه كان كارهاً للضجيج ويفضل الوحدة والهدوء والسكينة. عدا عن تأثره بالبحر، تأثر جاسم كثيراً بجدته «شيخة»، فكان يتحدث عنها أكثر من حديثه عن والديه، لأنه تربى في حضنها، وهي التي عرفته على الشعر الذي كانت تحفظه، وقصت عليه الحكايات التي سمعتها، وعلمته الكتابة التي كانت تخطها، فنشأ عاشقاً للشعر والقصة والكتابة. لذا لم يكن غريباً أن يردد دوماً على مسامع أبنائه عبارة «أنا حياتي البحر، وحياتي جدتي».
حينما كبر التحق بمدارس الخور والدوحة وأنهى بها مراحل التعليم النظامي بنجاح، وصادق خلال تلك السنوات عدداً قليلاً من زملائه مثل علي بهزاد مؤسس شركة بهزاد للمقاولات، والكاتب سنان المسلماني، والكاتب والإعلامي والناقد المسرحي الدكتور حسن رشيد، طبقاً لما قالته ابنته مريم.
وأخبرتنا ابنته مريم أيضاً، أن والدها كان يعشق القراءة وأن الأسرة كلها كانت تقلده في قراءة الكتب والمجلات والصحف وهو مستلق على سريره، كما كان يعشق الاستماع إلى أغاني أبوبكر سالم بلفقيه ويعلق صوره على جدران غرفته. أما طقوس الكتابة عنده، فقد كانت صارمة، حيث كان يدخل مكتبه داخل البيت ويقفل الباب على نفسه لساعات، فلا يراه أبناؤه إلا في عطلة نهايات الأسبوع. تقول مريم، إن والدها كان كتوماً، لا يتحدث كثيراً، ولا يبوح للأسرة بما يجول في نفسه من مشاعر وعواطف أو عما يضايقه ويغضبه، لكنه كان يتصرف بطريقة توحي للآخر بالرسالة التي يريد إيصالها. وتضيف مريم، أن والدها، رغم كتمانه وصمته، كان أباً حنوناً «يلبسنا ملابسنا ويمشط شعورنا ويعاملنا بلطف ويلبي مطالبنا البسيطة، ويأتي لنا بالمجلات والكتب التي نحبها، ويُخرجنا إلى أماكن ذكرياته الغابرة كمدرسته وبيت جدنا القديم».
أما ابنه علي، فقد أشار إلى عدد من الصفات التي التصقت بوالده طوال حياته مثل عزة النفس، حيث كان يرفض رفضاً قاطعاً أن يستغل شهرته ككاتب وإعلامي في استجداء شيء لنفسه من مسؤول أو جهة حكومية، كما كان متمسكاً ببعض القيم مثل قيمة الاعتذار، بمعنى عدم المكابرة والاعتذار للآخر وتجبير خاطره وقت ارتكاب خطأ غير مقصود بحقه. إلى ذلك كان إنساناً يسعى للجديد والمتطور ويتكيف مع الزمن ومتغيراته، فقد كان مثلاً أول من أدخل الإنترنت والكمبيوتر إلى منزله بمجرد انتشارهما في قطر، ونقل كل ملفاته الورقية إلى ملفات رقمية، وكان أيضاً من أوائل الذين حرصوا على الاشتراك في القنوات الرياضية من أجل الاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم المحلية والأجنبية، وهي هواية لازمته وكانت تحوله من شخص هادئ كتوم إلى مشجع متحمس يصرخ أمام الشاشة وكأنه في الملعب.
بدأ الراحل حياته المهنية من الإذاعة القطرية التي التحق بها في عقد الثمانينات، فعمل بها وشق فيها طريقه بسرعة قياسية، وصار اسمه متداولاً كمعد ومقدم لعدد من البرامج مثل: «تقاسيم وأوراق شعبية»، «صدى الوجدان»، «القاموس الشعبي»، «مواويل»، «همسة عبر الأثير»، «محطات»، «ألوان شعبية»، «مجلس التعاون»، «فارس الأحلام» وغيرها، إضافة إلى قيامه بإعداد فقرة إذاعية نقدية اجتماعية يومية اشتهرت كثيراً بعنوان «كثر الدق يفك اللحام»، وكان يقدمها المذيع عبدالعزيز محمد.
ومن الإذاعة شق طريقه نحو بلاط صاحبة الجلالة الصحافة، التي فتحت له ذراعيها ورحبت به كنجم قادم من الإعلام المسموع، فأوكلت إليه رئاسة تحرير جريدة «شباب اليوم»، التي كانت تصدر عن دار الشرق خلال عقد التسعينات من القرن العشرين. بعدها راح ينشر المقالات الاجتماعية والثقافية والأدبية من خلال زاويته المعنونة «من غير ليش» بصحيفة الشرق، التي اختارته لاحقاً ليصبح نائباً لرئيس التحرير للشؤون المحلية والثقافية. كما نشر بعض مقالاته أيضاً في صحيفتي «الراية» و«الوطن»، وفي صحيفة «العرب» التي انتقل إليها من «الشرق».
محطات
في العطاء الأدبي
وإبان هذه الفترة من مسيرته، كتب العديد من الأعمال الغنائية ومنها «عيني قطر» التي غناها المطرب القطري الراحل فرج عبدالكريم من ألحان ناصر الخال، ومنها أغنيتا «أنا أقول آه» و«حيوا فريقي»، اللتان غناهما الفنان علي عبدالستار، الأولى من ألحان علي حسن، والثانية من ألحانه. ومن الأغاني الأخرى التي كتب كلماتها: «من بعيد»، «مستعجلة»، «ثلاث حروف»، «جسمي نحل»، «يا عين هلي»، «مثل حبك يا قطر»، «نعم تقدر»، «أهواك تسمحين»، «مجروح يا أهل الهوى»، «كل شيء فيك يلفت النظر»، «اعذريني»، «سيروا وعين الله ترعاكم»، «واجهيني»، «أرجوك السماح»، و«يا منتخبنا الغالي».
إلى ذلك، كتب جاسم العديد من الأعمال التلفزيونية مثل: «ساهي ولد بوساهي»، «تناتيف»، وسباعية «دانة»، و«مغامرات جاسم»، و«الفرسان الثلاثة»، وساهم في كتابة مسلسل «مهموم عايش فرحان» سنة 1987. وكتب تترات مسلسلات: «حتى إشعار آخر»، «الانحراف»، «أيام العمر»، «29 سالفة وسالفة»، «الناس الطيبين». وكتب كلمات أغاني مسرحية «زواج بالفاكس» سنة 1993، وألف مسرحية الأطفال الغنائية «مدينة المحبة» سنة 1990.
صدرت للفقيد عدة دواوين شعرية، منها: «كانت هناك»، «واجهيني»، «الإبحار»، «جسور العطش»، «الأشجار تموت واقفة»، «آخر كلام»، «زمن الحلم»، «امرأة»، «ولهان ومسيّر»، «قالت ستأتي»، «رقصات على الماء»، و«كأن الأشياء لم تكن ولا تشبه أحداً».
من المناصب التي تقلدها الراحل، عدا ما ذكرناه آنفاً، منصبا «رئيس القسم الإعلامي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث»، و«رئيس قسم الدراسات والبحوث في إدارة الثقافة والفنون».
أغنية الوداع الأخيرة
تاثر صاحبنا كثيراً، وفقد شهية الغناء وكتابة الأغنية، بعد رحيل صديقه الفنان فرج عبدالكريم، الذي توفي في أحد مستشفيات لندن بتاريخ الثاني من سبتمبر 1989، فلم يجد غير أن يخلده من خلال ديوان أطلق عليه «ولهان ومسيّر»، في إشارة مزدوجة إلى ولهه وحنينه لصديقه فرج عبدالكريم، وإلى أجمل وأشهرما غنى الأخير، وهي أغنية «ولهان ومسيّر»، التي كتب كلماتها المغفور له الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، رحمه الله، ولحنها الموسيقار المبدع الراحل عبدالعزيز ناصر.
ونختتم بقصة رحيل جاسم صفر، التي بدأت بحزنه على رحيل صديقه المقرب فرج عبدالكريم، ثم بحرمانه من العمل الذي أفنى جل حياته فيه يوم أن أحيل إلى التقاعد عام 2018. ومما لا شك فيه أن الحدثين أثرا سلباً على صحته ومزاجه، الأمر الذي أصيب معه بجلطة في شرايين القلب، خصوصاً أنه كان مدخناً شرهاً. وعليه سافر للعلاج في أحد مستشفيات بانكوك برفقة زوجته وأبنائه. وهناك أجريت له عملية قسطرة لفتح 3 شرايين مسدودة في قلبه، وبعد نجاح العملية، تعرض للسقوط وهو متجه إلى دورة المياه فأصيب بكسر في حوضه، ففقد شهيته للطعام وأصيب بنوع من الاكتئاب، وراح يمتنع عن تناول أدوية العلاج ويرفض العلاج الطبيعي. وهذا بدوره تسبب في قصور في وظائف الكلى وضعف جسدي عام، ليعود يائساً ومرهقاً إلى وطنه، وتُوفي رحمه الله بين أيدي ممرضاته وأبنائه بمستشفى حمد العام بالدوحة يوم السادس عشر من يناير 2023.













