أكتب ما سوف يأتي هنا في شهر رجب. وهو شهر كريم تبدأ به بشارات شهر رمضان المبارك، وكان الاهتمام باستقبال شهر الصيام في الكويت – فيما مضى – كبيرا، وهو اهتمام – وإن كان شيء منه قائما حتى يومنا هذا – فإنه اهتمام يختلف فيه الماضي عن الحاضر.
كانت ملامح الاستعداد لشهر الصيام تبدأ في الظهور منذ أن يهل علينا هلال شهر رجب، وتزيده مكانة في النفوس أنه شهر فيه ذكرى مهمة ذات صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ذكرى ليلة الإسراء والمعراج التي تصادف اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، وكان حدوثها في بدايات الدعوة إلى الإسلام، إثر نزول القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن نال الرسول وصحبه أشد الأذى من كفار قريش الذين تمسكوا بعبادة أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، وأبوا الابتعاد عن مظاهر سلوكهم في الحياة، وإن كان منافيا لما ينهي عنه الإسلام وأنكرته الأديان السماوية الأخرى، بل وينافي في بعض مظاهره الذوق السليم.
في هذه الفترة اشتعل حسد كبارهم ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعاظمت كراهيتهم لمن تبعه وسار على هديه من المسلمين، واشتد ما بهم عندما سارت الأمور في صالح الدعوة الإسلامية، وقد دلت على ذلك الأخبار التي تم تداولها عن تلك الفترة وهي التي تحدث بها بعض كبار أهل مكة، وكان فيها شيء كثير، مما يدل على غضبهم وغيظهم وحسدهم في وقت واحد، فلقد كانوا يرون أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون مؤثرا على مكانتهم، وسيغير أسلوب حياتهم بالكامل، وكان بعضهم يرى في نفسه أنه أحق بالرسالة، وكان ينبغي أن يكون هو الرسول.
ومما سمع في ذلك الوقت هو قول الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان سيدا من سادات قريش، وأحد الموجهين فيها، وهو والد سيدنا خالد بن الوليد:
«أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود: عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين (يعني مكة والمدينة)».
وفي هذا القول نزل القرآن الكريم، حيث يقول الله عز وجل: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (سورة الزخرف، الآية رقم31).
ولقد كان هذا الذي ذكرناه مثالا لما جوبه به رسول الله من أذى، وهو أقل بكثير مما كان يحل بالمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، فقد كان هؤلاء ينالون أشد التنكيل من أولئك العتاة، الذين لم يهتدوا إلى سبيل الله، وغرهم ما في أيديهم من أموال، وما لديهم من مكانة، فأصابهم العمى الذي صدهم عن إدراك سبيل الحق، ولم يبصروا النور الذي انطلق في تلك الفترة، وفي تلك البلاد ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد كان مجتمع أهل مكة متعنتا وقاسيا إلى أقصى الحدود، وهذا هو ما جعله صلى الله عليه وسلم، يبحث عن السبل الملائمة التي بها يستطيع أن يؤدي الرسالة السماوية التي أوحيت إليه، فينشر الإسلام في مقابل إزالة الأصنام وما يتصل بها من اعتقادات فاسدة، وعادات مرذولة، وعناد وأحقاد. ومن أجل ذلك فقد طلب ممن أسلم من أصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة لكي ينجوا بأنفسهم وبدينهم مما كان يكاد لهم في مكة وما جاورها، واتجه بنفسه إلى مدينة الطائف رغبة في هداية سكانها إلى الإسلام، فوجدهم أعنف بكثير من أهل مكة، فعاد من هناك بعد أن نالوا منه ما لم تنله قريش، إذ أرسلوا خلفه أوباشهم وعبيدهم وصغارهم يرجمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، وعاد يائسا من هدايتهم، ووقف بعيدا عنهم وهو في غاية الألم والحزن لكي يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعفي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
ولكنه لم يخرج من هذه البلدة إلا وقد استجاب الله عز وجل لدعائه هذا، فقد سمع – في الحال – أمرا سره من واحد من غير أبناء الطائف، وكأنه صوت قادم إليه من عالم آخر يبعث في نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم الاطمئنان، ويشعره بالأمل، وذلك ظاهر فيما رواه ابن هشام في كتابه السيرة النبوية، حين قال واصفا ذلك الموقف:
«فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعا غلاما لهما نصرانيا يقال له «عداس» فقالا: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له: يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال: باسم الله. ثم أكل، فنظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى! فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي! فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديده وقدميه».
وبعد ذلك، وعندما شاهد الرجلان من عداس ما فعله، قالا له، يا عداس! ما بك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ فقال لهما: ما في الأرض شيء خير من هذا، وقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي.
ومع كل ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يتوقف عن القيام بالمهمة العظيمة التي اصطفاه رب العالمين من أجل القيام بالمهمة العظيمة التي اصطفاه رب العالمين من أجل القيام بها. وهي الدعوة إلى الإيمان بالله وحده، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وفي سبيل ذلك كان صابرا على كثير من المشاق، محتسبا لله عز وجل كل ما يقوم به وكل ما يعانيه. وبقي كذلك حتى يسر الله عز وجل له تلك المجموعة الكريمة التي كانت قد أتت من المدينة المنورة في موسم الحج المعتاد عندهم – آنذاك – وقد كتب الله لهم السبق إلى الإيمان بالله وبرسوله، فكانت بداية عظيمة يسرها الخالق القدير لرسوله حتى تتاح له الفرصة لكي يقوم بالمهمة السامية التي انتدبه لها، وكان ما حدث بداية مهمة أدت إلى انتشار الإسلام، وتكوين الدولة الإسلامية التي بدأت تأخذ صورتها المميزة يوم فتح مكة.
هذا، ولقد كان مما من به الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم ما حدث في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب في سنة 621م، وهو حادث له وجهان كان منهما راحة واطمئنان نفس، وهو حادث الإسراء والمعراج وفي هذا اليوم يحتفل العالم الإسلامي على مر العصور، تصديقا لرسول الله، وإيمانا بقدرة الله جل شأنه. ومما ذكر في هذا الشأن أن قريشا استنكرت ما حدثها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبته، ولكنه جابههم. واستمر في حديثه إليهم داحصا كل حجة احتجوا بها، حتى لقد ذهبوا إلى أبي بكر الصديق قائلين:
«هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة! فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس».
فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه! فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال، نعم. قال: يا نبي الله فصفه لي، فإني قد جئته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرفع لي حتى نظرت إليه. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت، أشهد أنك رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق. فيومئذ سماه «الصديق».
ولقد جاء وصف الإسراء والمعراج على مثل ما ذكره كتاب السيرة النبوية لابن هشام، وكتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، وهما البخاري ومسلم. حيث رويا معا الحديث الواصف لهذه المعجزة التي أيد بها الله عز وجل رسوله الكريم وجعلها حجة دافعة على المكذبين بالرسالة.
وإلى عهد قريب كانت الكويت تحتفل بذكرى هذه المناسبة المهمة في تاريخ ديننا الحنيف: الإسلام، ولكن الأمر اختلف مؤخرا – مع الأسف الشديد – فقد وجدنا من يعتبر ذلك الاحتفال بدعة، فيمنع كل احتفال يقام من أجل ذكراها، ولم يقتصر الذي زعم هذا الزعم على ذلك فقد اعتبر الاحتفاء بذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة أخرى، كما يجعل ذكر هجرته من مكة إلى المدينة بدعة ثالثة يمنع على المسلمين الاهتمام بها. وكأن من أراد إيقاف مثل هذا المظاهر الاحتفالية على بساطتها إنما قصد نسيان أهم مراحل الدعوة الإسلامية بإهمال ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالإسراء والمعراج به، ثم بهجرته إلى المدينة التي كانت بداية انتشار الإسلام في الأرض، وبناء الدولة الإسلامية، وكأن من يميل إلى إيقاف المظاهر التي كنا نتذكر فيها كل ذلك يتناسى كل ما قام به الرسول الكريم، وما أداه عن ربه عز وجل، وما وصفه به القرآن الكريم. لقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بخفض أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيرا وإكراما له، فقال:
(إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا).
أي تعينونه، وتنصرونه، وتعظمونه، ذكر الحسين بن مسعود البغوي هاتين الآيتين (سورة الفتح 8 ،9) في كتاب «معالم التنزيل» في تفسير القرآن الكريم أن هذه الضمائر كلها تعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
أليس الاحتفاء بمولد رسول الله وهجرته وإسرائه ومعراجه مثل هذا التوقير والنصرة؟
ولقد كانت مساجد الكويت كلها تهتم بهذه المناسبات المهمة في تاريخ الإسلام، فتتلى فيها على الحاضرين بعد صلاة العشاء أحاديث ذات علاقة بكل مناسبة في حينها. وكان حديث الإسراء والمعراج يعتمد على حديث رواه البخاري ومسلم مثبت في كتاب: «اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان».
٭ ٭ ٭
ثم أتى حدث مهم آخر من أحداث شهر رجب، وكان هذا بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بفترة استقرت له فيها الأمور، وصارت الدولة الإسلامية حقيقة واقعة، تلفت أنظار المخالفين لها وتخيفهم، بعد أن شملت جزيرة العرب كلها. وهذا الانتشار أزعج المتاخمين لهذه الجزيرة فصاروا يكثرون من التعدي على أطرافها، فيؤذون المسلمين في أملاكهم، وفي أرواحهم، وكانت دولة الروم المحتلة للمناطق المتاخمة لجزيرة العرب من جهة الشام هي من أشد الناس عداوة للمسلمين، مع أنها دخيلة على المنطقة كلها، ومما يدل على أن الروم دخلاء أن من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا» وهذا دعاء رواه البخاري، وهو يدل على عروبة المناطق التي كان الروم يحتلونها في الشام وما حولها. وكان ذلك الذي ذكرناه قد حدث في السنة التاسعة للهجرة النبوية، وقد رأى الرسول الكريم أنه إذا لم يوضع حد لهذه التعديات فإنها ربما كثرت، وزاد تأثيرها، ولذا فلابد من وضع حد لها ثم أصدر أمره بالخروج للرد على عدوان الروم الذي كاد أن يتوغل في أرض الجزيرة العربية معتمدا على جيوشه، وعلى من هم في ظله من القبائل العربية التي كانت لها مواقع في الأماكن التي يسيطر عليها، وكان الدافع إلى ذلك هو قرب تلك الأراضي من أراضي الدولة الإسلامية الحديثة النشأة، وكانوا يقومون بكل ما كانوا يفعلونه من الأذى على الرغم من أنهم كانوا في أرض ليست لهم أصلا، بل هي أرض عربية كان فيها للعرب دولتان هما دولة الغساسنة في الشمال، ودولة الحيرة في الجنوب، ولكلتا الدولتين اتباع، وتاريخ يذكر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أن دولة الروم – كما قلنا – دخيلة على المنطقة المتاخمة لجزيرة العرب وقد احتلت غصبا هذه المنطقة التي تحكمها، وليس بمستبعد عليها أن تفتح لها بابا في الجزيرة العربية، فكان أن أصدر أمره بالحرب دفاعا عن الإسلام ودولته، وكان ميدان المعركة هو: تبوك.
وهذا الموقع معروف باسمه حتى اليوم، وهو قائم في المملكة العربية السعودية، ويتكون من مدينة تبوك، ومنطقة تبوك التي تضم أماكن مجاورة لتلك المدينة، وهي منطقة ذات موقع استراتيجي مهم يشرف على الأردن، وعلى البحر الأحمر، وكان في الفترة التي نتحدث عنها من أخطر المواقع على المدينة المنورة، لأنه الأقرب إلى ما كانت دولة الروم تسيطر عليه من أماكن. وكان في تبوك وما حولها بعض القبائل العربية ممن لم يسلم بعد، فهم يؤيدون كل من يقدم على محاربة المسلمين قبل أن تقوى شوكتهم، وتظهر قوتهم حتى يصبح التغلب عليهم من الصعوبة بمكان، ولذا فقد كان من مصلحة هؤلاء الذين أشرنا إليهم الانضمام إلى جيش العدو، وكان هذا لسوء طالعهم فنالهم جراء هذه الحرب ما لم يتوقعوه.
اشتدت تلك التعديات التي أشرنا إليها في وقت غير ملائم للمسلمين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أن الأمر لا يقبل التأخير، لأنه إن لم يبادر إلى الحرب، جاءته الحرب هي من نفسها، يسوقها أعداء أشداء، بأعداد كثيرة من الجند وعدد كبير من آلات الحرب.
يقول ابن هشام في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه في أكثر من موضع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – وقد علم دلالة ما يحشده العدو في شهر رجب للسنة التاسعة للهجرة، على عزمه شن حرب على المسلمين في المدينة:
أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يقصد له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة (المسافة البعيدة) وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
وقد تبين في المدينة – تلك الأثناء – من كان مؤمنا بالله ورسوله، مصدقا غير منافق، لأن الذين لم يكونوا قد أخلصوا الإيمان – وهم المنافقون – كانوا يختلقون الحجج حتى يقعدوا مع القاعدين بعيدا عن الحرب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرغب في أن يصحبه في تلك الغزوة متردد أو منافق، ولذا فقد تركهم لما أرادوه لأنفسهم، فهو يعلم أنهم لن يغنوا شيئا في الحرب إذا حضروها نفاقا لا دفاعا عن الإسلام والمسلمين.
ومن أجل هذا تركهم فبقاؤهم خير من خروجهم معه.
وقد فضحت الآيتان الكريمتان من سورة التوبة هذين الطرفين من المترددين والمعتذرين لأن الآية الأولى ذكرت قوله تعالى:
(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) سورة التوبة الآية رقم 49.
وقوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) سورة التوبة الآية رقم 81.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضى لما أراد أن يمضي إليه، واهتم المؤمنون كثيرا بهذه الغزوة لأنهم أدركوا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك إلا لأمر من الله عز وجل، ولحكمة خفيت على الجميع، فكان لهم النصر.
وسيأتي في مقال لاحق – إن شاء الله – ما يصف كل ما جرى بعد هذا الذي ذكرناه هنا.
٭ ٭ ٭
وقبل الختام فإن من المهم أن نعود إلى ما بدأنا به، وهو ذكر ما يجري في الكويت قديما مما لاتزال آثاره قائمة عند حلول شهر رجب من كل عام هجري.
ذلك أنه لا بد من الإشارة إلى أن الأهالي في هذا الوطن المسلم – بحمد الله تعالى – كانوا يستعدون لاستقبال شهر رمضان المبارك قبل حلوله بفترة تطول، وذلك أنهم يبدأون من شهر رجب في إعداد ما يلزم للشهر المبارك من الأغذية، وكان أهم ما هو منها: الهريس، الذي هو سيد المائدة الرمضانية المبجل إلى هذا اليوم.
ومعروف أن الهريس يتكون من القمح الذي يدق فيما يسمى المنحاز حتى يزول قشره، ويلين، ثم يطبخ في قدر خاص من النحاس يسمى (الصفرية) لمدة تكفي لإذابة اللحم الذي يوضع مع القمح، وعندما ينضج ما في القدر يستخرج يعد أن يضرب بما يسمى (المضرابة) فيخفق بها مرارا حتى يلين ما في القدر ويختلط اللحم بالقمح المهروس، فيصيران قواما واحدا هو: الهريس الذي يقدم عند الإفطار في أطباق يوضع فوقها الدهن المستخلص من لبن الغنم الذي نطلق عليه عندنا اسم: الدهن العداني، ثم يضاف فوق الدهن شيء قليل من الدارسين المطحون.
وأشق عمل في إعداد هذه النوع من الطعام هو عند البداية حين يدق الهريس، وهو الذي وصفناه آنفا. وكان أصحاب البيوت الكبيرة، الذين يستقبلون في وجبة الإفطار عددا من الناس ينبغي أن يقدموا لهم زادا كافيا يلجأون إلى من يتولى دق الهريس بكميات مناسبة، ولذا فقد وجدوا خير من يقوم بذلك أفراد الفرق الشعبية الفنية من النساء فهن يأتين إلى البيت الذي يدعوهن، فيؤدين هذا العمل، وكن ينشدن نشيدا بهذه المناسبة يقلن فيه:
يا الله ويا الله ويا الله
يا الله ويا الله ويا الله
يا كريم يا الله
يا كريم يا الله سلم
سلم بواحمد يا الله
(وبالطبع فإن الاسم يتغير بسحب اسم صاحب المنزل)
وأخيرا فإن المنحاز الذي ذكرناه معروف قديما، وله ذكر في الشعر العربي، وفي المعاجم العربية، ومن ذلك: «المنحاز: هو ما يدق فيه» قال الشاعر:
دقك بالمنحاز حب الفلفل
وذكر ابن منظور في كتابه «لسان العرب» كلمة: هرس، وفسرها بقوله:
«وقيل: الهريس: هو الحب المهروس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو: هريسة» وهذا ما هو جار عندنا.











