في حوار عميق، يفتح الباحث الفلسفي يوسف أبا الخيل نافذة على مسيرته الفكرية الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، متناولاً التحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المملكة العربية السعودية. يبرز أبا الخيل كصوت رصين يدعو إلى التفكير العميق والجاد، رافضاً ما أسماه “التأليف السطحي”، ومؤكداً على الدور المحوري للمثقف النوعي في ترسيخ قيم التنوير والأنسنة في ظل الإصلاحات الكبرى التي تشهدها البلاد.
خلفية تاريخية: مرحلة الصحوة وتأثيرها
لفهم عمق الحوار، لا بد من استحضار السياق التاريخي لـ”تيار الصحوة” الذي هيمن على المشهد الثقافي والاجتماعي في السعودية لعقود، خاصة منذ أواخر السبعينيات. تميز هذا التيار بخطاب أحادي متشدد، فرض رؤيته على مفاصل الحياة العامة، مما أدى إلى تقليص مساحات النقاش الحر والحوار المتكافئ. وفي هذا المناخ، كان طرح أفكار تنويرية تنتصر للحياة والتعددية يعد شجاعة فكرية، وهو ما مثّله أبا الخيل وغيره من المثقفين الذين واجهوا تحديات كبيرة في التعبير عن رؤاهم المختلفة.
• ماذا تبقى من أزمنة الجدل والحوار مع التيارات الفسيفسائية؟
•• لم تكن حينها حوارات بالمعنى الحقيقي للحوار. ذلك أن الحوار يلزم لكي يكون حقيقياً، أن يكون متكافئاً، بينما كانت المناقشات في ذلك الزمن تجري في ظل سيطرة صوت واحد على مفاصل الحياة الثقافية، ومن ثم كان الصوت المختلف هامساً خائفاً وجِلاً من الاصطدام بالحشود، التي كانت حينها تمثل العصبية الحاملة للفكرة الصحوية.
• كيف تقرأ انعدام المخاوف والمحاذير التي كان تيار الصحوة ينذر بها فيما لو تأنسن المجتمع؟
•• الصحوة، بصفتها فكراً ذا بطانة أيديولوجية، يقوم على فكرتَي «الاصطفاء» و«الأحادية» اللتين تعتمدان على تطويع الأتباع من خلال تخويفهم من الزيغ والضلال إن هم اتبعوا طريقاً غير طريقهم. مع أنها مجرد مقولات وأفكار كانت تعكس توجهاً فردياً تحول إلى خطاب جمعي بفعل التحشيد الجماهيري.
عصر الإصلاحات ودور المثقف الجديد
يشير أبا الخيل إلى أن الإصلاحات الضخمة التي انطلقت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والتي تبلورت في رؤية السعودية 2030، قد أزاحت عبئاً كبيراً عن كاهل المثقف التنويري. هذه الإصلاحات لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل تحولات اجتماعية وثقافية جذرية، مثل تمكين المرأة، ودعم الفنون والثقافة، ومراجعة الخطاب الديني، مما أعاد المجتمع إلى مساره الطبيعي. ويرى أبا الخيل أن دور المثقف اليوم لم ينتهِ، بل تحول من المطالبة بالتغيير إلى مسؤولية تأصيل هذه التحولات في الوعي الجمعي للمجتمع.
• هل انزاحت أعباء فكرة التغيير عن صدر وكاهل المثقف بالقرارات الإصلاحية في المملكة؟
•• لا شك أن التغييرات الإصلاحية الضخمة أزاحت عن كاهل المثقف التنويري عبء المطالبة، إلا أنه يبقى دور المثقف النوعي في تأصيل تلك التغييرات من منظور ثقافي-اجتماعي-شرعي قائماً وملحاً، فهي مهمته الأساسية اليوم. فالقيادة أعادت السكة إلى مجراها الطبيعي، إلا أن إدخالها في الوعي الجمعي مرهون بدور النخب.
• هل وقع التنوير في الوجل من الصحوة؟
•• لا أظن أنهم وجلون، لكنهم حذرون من مواقع بعض المتشددين في منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الخطاب الصحوي، وإن فقد وهجه في الظاهر، فإنه إلى الآن لم يُنقد في رأيي نقداً علمياً رصيناً.
الفكر والفلسفة في مواجهة السطحية
يتعمق أبا الخيل في قضايا فلسفية كبرى، مؤكداً على أن نسبية الحقيقة هي قانون وجودي، وأن الانفتاح على الفلسفة وعلم الاجتماع يحرر العقل من قيود اليقين المطلق. كما ينتقد ظاهرة “المثقف الرقمي” الذي يعتمد على النسخ واللصق، ويدق ناقوس الخطر حول “ثقافة التفاهة” التي تهدد الأجيال الجديدة، داعياً إلى تأسيس قيم الجمال والتفكير العلمي الجاد في التعليم والمجتمع.
• متى استشعرت نسبية الحقيقة؟
•• النسبية قانون وجودي. القراءة المعمقة في الفلسفة وعلم الاجتماع تدرب الإنسان على استشعار ومن ثم تبني نسبية الحقيقة. وكما يقول فيلسوف العلم غاستون باشلار، ما يميز النظريات العلمية هو قابليتها للتكذيب، وهذا دليل عميق على نسبية الحقيقة.
• هل انتهى زمن الثقافة الصلبة والأفكار الخشنة؟
•• أكثر ما أخشاه على المجتمع هو الانغماس المتسارع في ما سماه آلان دورنو «ثقافة التفاهة». نلاحظ أن اهتمامات بعض الشباب اليوم موغلة في السطحية، مع غياب الدهشة بالتقدم العلمي، وهذا مؤشر على تضعضع الروح العلمية.
مشروع فكري لا استعجال فيه
في ختام الحوار، يكشف أبا الخيل عن سبب عدم وجود مؤلفات مطبوعة باسمه، وهو تقديره العميق للعمل الفكري الرصين الذي يستغرق سنوات طويلة، مستشهداً بماركس وسبنسر اللذين قضيا عقوداً في تأليف أعمالهما الخالدة. إنه يرفض الانجرار وراء التأليف السريع الذي يهدف للمشاركة في معارض الكتب أو التباهي في المقاهي الثقافية، مفضلاً التريث والتعمق على الإنتاج السطحي.
• ما أبرز النتاج المطبوع؟ وهل من مشروع تراكمي؟
•• للأسف ليس لدي كتب مؤلفة. عندما بدأت قراءة الفلسفة، كنت أعجب من أناس قضوا أعمارهم في تأليف كتاب واحد مثل كارل ماركس. وجدت نفسي عاجزاً عن قضاء أعوام معقولة في التأليف، وبالوقت نفسه لم أشأ أن أسلك سبيل التأليف السطحي، الذي يقضي فيه المؤلف بضعة أشهر ليتباهى به في المقاهي الثقافية.
The post يوسف أبا الخيل: المثقف السعودي ودوره في عصر الإصلاحات appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.










