أقدم في هذا المقال ما به استمرار لما بدأت به في المقالين السابقين اللذين حملا هذا العنوان، فهو يتحدث عن مجموعة ثالثة من أهل الكويت العزيزة التي لم يبخل أهلها عليها بأداء واجبهم تجاهها في مختلف الميادين وفي كل الأزمات ودواعي الفزعات منذ نشأت إلى يومنا هذا.
ولقد أسعدني، بل شرفني أن أقوم بذلك تجاه بني وطني الذين كان لهم دور مؤثر في خدمته، كل منهم بقدر ما يجيده من أعمال، وبحسب حاجة الوطن على مر السنين. وقد وفقني الله عز وجل إلى كتابة عدة أعمال في هذا الشأن، منها ما ورد في مقالات أذكر منها سلسلة طويلة نشرتها تحت عنوان «من أهلها»، وأعني بذلك أن من كتبت عنهم في تلك السلسلة هم من ينطبق عليهم القول الكويتي حين يمتدح شخص، فيقال عنه إنه من أهلها، أي أنه أهل للقيام بمثل ما قام به، وهؤلاء الذي ذكرتهم أهل للمهمات التي قاموا بها، وهم – أيضا – أهل لتكرار ذكرهم والثناء عليهم.
وهنا أذكر – بكل الاعتزاز – أن أبناء الكويت الذين كتبت عنهم كانوا عند حسن ظن وطنهم بهم، فقد بذلوا جهودا كبيرة في ميادين كثيرة هي من أهم ميادين الخدمة الوطنية، وحين دعا الأمر إلى قيام المؤسسات الحكومية التي تشرف على مختلف الأعمال التي كانت الدولة تقوم بها، وذلك بعد سنة 1921م كان في الكويت من أبنائها من هو أهل لإدارة هذه المؤسسات، وبخاصة في مجال عضوية المجالس التي كانت تشرف على أعمال كل مؤسسة منها، ويكفينا أن نذكر أسماء أعضاء من تلك المجالس، أعضاء المجلس الأول لدائرة بلدية الكويت التي بدأت عملها في سنة 1931م، وهم:1 – الشيخ عبدالله الجابر رئيسا.
ومن الأعضاء: 2 – سليمان العدساني 3 – سيد علي سيد سليمان 4 – الشيخ يوسف بن عيسى 5 – محمد الأحمد الغانم 6 – نصف اليوسف النصف 7 – أحمد الفهد الخالد 8 – مشعان الخضير 9 – عبدالرحمن البحر 10 – خليفة بن شاهين الغانم 11 – يوسف صالح الحميضي 12 – مشاري الروضان 13 – مشاري الحسن البدر 14 – السيد زيد السيد محمد
ومما يسعدني أنني أشدت بأبناء وطني ممن كانت لهم جهود طيبة في كل سبل الخدمة الوطنية، وكان ذلك في كتابي: «الملأ، نظرات في تاريخ الكويت»، وقد ذكرت طرفا من أعمالهم، مع التأكيد على أن ما الذي قاموا بفعله ليس بمستغرب منهم، فقد نشأوا على حب الكويت ودرجوا على الرغبة في أداء كل ما هو باستطاعتهم في سبيل خدمتها ورفعة شأنها. وينبغي أن نذكر – دائما – أولئك الرجال والنساء وأن نستعيد – بالذات – ذكر من ابتعد اليوم عن ذاكرة المواطنين أو يكاد يبتعد، لأن من واجبنا الاحتفاظ بذكرى هذا الرعيل الوفي الذي قام راضيا بكل ما يراه حقا لوطنه عليه، كما أنه من المهم أن نكفل المحافظة على مكانتهم، وعدم المساس بهم، فقد استحقوا بما قاموا به التقدير والإشادة.
نعم! لقد بدأت أسماء بعض هؤلاء – رجالا ونساء – تتراجع عن ذاكرة بعض المواطنين، إلا أنها لم تزل قائمة في ذاكرة الوطن وصحائف تاريخه، ولكن ما هو أصعب من النسيان أن نرى ونسمع محاولات من يلحق بهم الأذى، ويدعي على بعضهم بما ليس فيه مما يسيء إلى هذا البعض إساءة بالغة وهم في وقت لا يتيح لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وبالتالي إلقام فم المتجني بحجر.
وعلى سبيل المثال، فقد رأيت الفنانة الكبيرة المرحومة عودة بشير معيوف المهنا، وهي ذات اسم معروف بين أعلام فن الغناء الذين بقيت أعمالهم تشهد لهم بالتفوق والتفرد، ولقد دفعني ما رأيته حين أخذ اسمها يتوارى إلى أن أكتب عنها مقالة ضافية طالبت من خلالها بالحفاظ على تراث هذه الفنانة، وعرضت أعمالها، وشهادات بعض كبار الفنانين لها بالإجادة والتفوق، والمقدرة على رصد كل فنون الغناء في الكويت، إضافة إلى علاقاتها المتينة بكل أطياف المجتمع، وقدرتها على اكتساب محبة الجميع لها حتى لقد كنا ندعوها: الأم عودة المهنا. ولقد صدر هذا المقال في جريدة «الأبناء» الغراء في يوم الجمعة الموافق 25/9/2025م.
وكم كنت أتمنى أن يتجاوب معي أبناء وطني الذين أحبتهم هذه الفنانة وأسعدتهم خلال حياتهم، فيذكرونها بعد أن رحلت إلى جوار رب العالمين، وذلك باستحضار أعمالها الإنسانية والخيرية والفنية الكثيرة، ولكن ما حدث كان على خلاف ما تصورت، وما كنت آمله أن يحدث، فقد رأيت إحداهن تقول على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي موضوعا عن هذه الفنانة القديرة، مدعية أنها كانت تقوم بإرضاع الصغار من حديثي الولادة بأجرة تأخذها من أهلهم في مقابل ذلك، وهذا كلام أقل ما يقال عنه إنه كذب وافتراء، نعم، كان الإرضاع يجرى في قديم الزمان، وقبل أن ترد إلينا معلبات حليب الأطفال المجفف. وكان ذلك في حالة ما إذا تعذر على الأم إرضاع ولدها أو ابنتها لأي سبب كان، حيث تقوم الأسرة بالبحث في المنطقة السكنية (الفريج) عن امرأة حديثة الولادة يمكنها أن تقوم بإرضاع الطفل الذي لم تتمكن أمه من إرضاعه، وذلك بلا مقابل، ما عدا كلمة: جزاك الله خيرا.
وقد مر بي ذلك شخصيا فإن لي أخا من الرضاعة سيأتي ذكره في هذا المقال. ولم يكن أحد في الماضي يبيع حليبه على أحد فلا المرأة تبيع حليبها، ولا زوجها يرضى بذلك.
فهل يتصور أحد أن الفنانة عودة المهنا، وهي المعروفة بفعل الخير طوال حياتها ترضى بمثل ذلك. بل إننا لنعرف جيدا أن هذا العمل لم يكن من سلوك الكويتيات ولا يقبلن به.
وخلاصة القول إن ما ورد في هذا الشأن كذب واضح، وإساءة بالغة للفنانة ولتاريخها الفني والاجتماعي على السواء، بل ولنساء الكويت الأوليات جميعهن، فقد وضعتهن هذه الأكذوبة – جميعهن – في دائرة الشك، بادعاء أنهن كن يبعن حليبهن وفق ما جاء في الموضع الذي ذكرناه.
٭ ٭ ٭
وهنا نعود إلى عرض ما يسمح به المجال، من ذكر موجز لبيانات موجزة عن بعض المنسيين الذين نود أن نذكرهم.
1 – هذا رجل من أهل الكويت القدماء الذين جاء ذكرهم في مناسبات مختلفة من تاريخ بلادنا، وهو المرحوم ناصر بن فهد بن طفلان، وكان مشهورا بشجاعته وفروسيته.
ولد في سنة 1879م تقريبا، وكان أحد الرجال العاملين مع الشيخ مبارك الصباح.
كتب عنه الأستاذ خلف بن حديد آل مبارك في كتابه: «رجال في صحراء العرب» الذي استقصى فيه أخبار نخبة من رجال البادية الذين استقى أخبارهم، ممن كانت لهم صلة بهم، وكانت لهم شهرتهم في الفروسية والنجدة والكرم، والامتثال للطباع العربية الصحيحة الموروثة عن آبائهم من سكان الجزيرة العربية الأقحاح.
ومما كتبه مؤلف هذا الكتاب عن المرحوم ناصر بن طفلان قوله: «وقد عاش حياته بدويا متنقلا مع إبله في برية الشامية في خارج سور عاصمة الكويت، وامتدت تنقلاته إلى برية الجهراء ضمن عشائر عريب دار الكويتية».
ومضى الأستاذ خلف بن حديد في حديثه عن هذا الرجل مبينا لقرائه كثيرا من صفات ابن طفلان الكريمة التي عرف بها، ومنها أنه كان فارسا مغوارا، وكان كريما يستقبل كل من يفد إليه، ويحس إلى المحتاج منهم، وينصر المستغيث، ويسد حاجة المحتاج.
وهو من أسرة عريقة النسب، أورثته كريم الطباع، والقدرة على اجتياز كل العقبات حتى استطاع أن يحقق لذاته ولأسرته عيشا كريما، ومكانة مرموقة، وسمعة رائعة.
وكان مشاركا في عدد من المعارك التي دارت في تاريخ الكويت، ومنها المعركة الشهيرة التي حدثت في الجهراء سنة 1920م، وكان جيش الكويت فيها بقيادة أمير البلاد – آنذاك – الشيخ سالم المبارك الصباح (رحمه الله).
ثم أورد المؤلف حكاية تظهر مهارة هذا الفارس في اقتراح الحلول التي تكفل اجتياز المواقف الصعبة، ومقدرته على التفكير السليم حتى في أحلك المواقف، فقال في كتابه:
«تأزم الموقف، وعندها طلب الشيخ سالم المبارك المشورة ممن كان حوله من الرجال، فمنهم من أشار إلى الشيخ سالم المبارك بالخروج من القصر، ومنهم من قال ننتظر حتى تأتي الإمدادات من مدينة الكويت!
لكن ناصر الطفلان خالفهم الرأي، ووجه كلامه للشيخ سالم قائلا:
الرأي عندي وأنا أبو شبيب!
فقال الشيخ سالم وما هو الرأي يا ابن طفلان؟
قال ناصر: يا طويل العمر، لدينا السلاح والذخيرة (وش حنا ذاخرينها له فهذا يومها)، فأكمل ناصر حديثه، حيث قال: «لا بد من أن نعمل فتحات بأعلى السور لكي نخرج أفواه البنادق منها وكل من قرب من الغزاة تجاه القصر نطلق عليه النار، ونحن في مأمن منهم داخل القصر..!» فاستحسن الشيخ سالم المبارك هذا الرأي السديد الذي حل عقدة الإشكال.
وعندها أمر الشيخ سالم المبارك بتنفيذ خطة ناصر بن طفلان وتم حفر عدة ثقوب في أعلى سور القصر الأحمر من جميع الجهات.
وما كان من الرماة داخل القصر إلا أن أدخل كل منهم فوهة بندقيته من خلال الثقوب، وفتحت النار على أولئك الغزاة، حيث تقهقرت جموعهم، وكانت عزيمة الكويتيين بعد تلك الخطة قوية تماما، فكان تخطيطهم وتنظيمهم متينا فتحطمت على أعقاب هذه القوة طموحات الغزاة.
وتمكن الكويتيون من الدفاع عن أنفسهم وعن ديارهم».
وقد عرف للمرحوم ناصر بن فهد بن طفلان هذا الموقف، وتبين للحاضرين ثاقب فكره، وحصيلة تجاربه.
وقبل ختام هذا الحديث عن هذا الفارس، فإنني أرى أنه لا بد من ذكر بعض أبيات من قصيدة امتدحه بها أحد معاصريه من الشعراء، وقد جاء فيها قوله:
إِمْنِ الفضل جاك الفضل يا ابن طفلان
والناس تذكر من فعالك فضايل
الصيت عالي بالمكارم والإحسان
وعند الشجاعة ما لمثلك مثايل
محفوظ بإذن الله وهو عالي الشان
ومنك انتحرّى طيبات الفعايل
2 – أكاد أعرف هذا الرجل منذ ولادته، وإن كان هذا الأمر مما يعد بعيدا عن التصديق، ولكن واقع الأمر أننا (أنا وهو ولدنا في وقت واحد، وقد كان أخي في الرضاعة في وقت كانت مثل هذه الأخوة متعارفا عليها لعدم وجود الأنواع المختلفة التي نراها عندنا الآن من معلبات حليب الأطفال).
وبموجب الشرع الشريف، فإن الأخ من الرضاعة، والأخت كذلك على صفة من الأخوة فيما عدا الإرث والانتساب، ولكن القرآن الكريم حرم الزواج من الأخوات من الرضاعة.
ولدت في منزل أخوالي، وولد هو في منزل أهله، وكان المنزلان في جهة واحدة متقاربة.
إنه أخي المرحوم عبدالله صالح بوغيث الذي ولد في سنة 1938م، وترعرع في الفريج وكان محبوبا من أقرانه.
مرت بنا مدارج الحياة، فوصلنا معا إلى السن الملائمة للدراسة، فالتحقنا معا – في يوم واحد – بمدرسة ملا محمود القريبة من بيته، ومن بيت أخوالي كذلك. وكنا نقرأ القرآن وبعض دروس اللغة العربية إلى أن قرر والدي ووالده أن نتحول إلى التعليم النظامي بعد أن قطعنا مرحلة في المدرسة الأهلية التي بدأنا دراستنا بها.
واستمر في دراسته، بينما جرى نقلي إلى مدرسة أخرى، هي مدرسة المثنى، وواصلت الطريق إلى نهايته بحسب ما وصفته في كتابات لي أخرى.
أما أخي عبدالله صالح بوغيث فقد أنهى مرحلة المدرسة الأحمدية، وانتقل بعدها إلى المدرسة القبلية التي كانت في فريج الصيهد خلف المبنى القديم لدائرة معارف الكويت، وكانت مرحلة الدراسة في الأحمدية تغطي السنوات الثلاث الأولى بما يعادل الابتدائية الآن مع أنها تنقص عنها سنة دراسية كاملة، أما المدرسة القبلية فكانت تسمى المدرسة القبلية الابتدائية، وفيها أربع سنوات دراسية فيها جزء من المرحلة الابتدائية، وجزء من المرحلة المتوسطة الحاليتين، وقد تغير كل ذلك في أيامنا هذه.
ومرت الأيام، وتغيرت الظروف، وانتقل الناس من مساكنهم إلى مساكن أخرى، وانقطعت صلتي بأخي مدة طويلة إلى أن التقينا بعد فترة طويلة مرت بنا، ونحن في زمن الانقطاع عن بعضنا. وكان أهم ما جمع بيننا مرة أخرى أننا انتقلنا في وقت متقارب إلى منطقة سكنية جمعتنا وأعادت صلتنا كما كانت، فصرت أراه وصار يراني بين وقت وآخر. ومن المهم أن أذكر أنه ساعة التقينا من جديد عدنا بذاكرتنا إلى الماضي البعيد، وكأن الدهر لم يفرق بيننا في يوم من الأيام. بل صارت لقاءاتنا تزداد كثافة، وكان يمتع الحاضرين في ديوانية الثلاثاء حينما يأتي إليها في موعدها.
وفي جلسة من جلسات الصفاء سألته:
– يا أخي عبدالله، لقد مر بنا زمن لم ألتق بك، وإن كنت لم تغب عن بالي، فماذا كنت تفعل؟ وكيف قضيت هذه المدة؟
فأجابني وهو يبتسم.
– مارست الحياة كما مارسها غيري. ودرست في الكويت بقدر ما سمحت ظروفي، ثم تحتم علي أن أعمل، وكان العمل في الأجهزة الحكومية هو السبيل الوحيد أمام شبان تلك الأيام من أمثالي.
– فالتحقت – من أجل ذلك – بالجيش، وكان حديث الإنشاء، يقبل من يتقدم إلى الانضمام إليه دون تردد ويحاول أن يستكمل إمكاناته بأسرع وقت، وقد قمت بالعمل فيه بكل جد مما أرضى عني رؤسائي.
– وبعد فترة من عملي حدثت حوادث الحرب التي أطلق عليها اسم (النكسة) وذلك في سنة 1967م، فتقرر إلحاقي، مع عدد كبير من أفراد الجيش الكويتي للاشتراك في الدفاع عن مصر التي تعرضت للعدوان الإسرائيلي في ذلك الوقت.
– وبعد أن استقرت الأمور التحقت بدورة دراسية في القاهرة أفادتني في مستقبل عملي، وكان اهتمامي منصبا على وسائل الاتصال، وذلك لأنني كنت ضمن سلاح الإشارة في الجيش الكويتي.
– ولهذا السلاح أهميته لأنه يكفل الاتصال بين جميع فروع الجيش.
ثم يقول:
– عدت بعد ذلك إلى الوطن، وواصلت عملي في الجيش، وبعد فترة أخرى أرسلت في بعثة ثانية إلى بريطانيا، وقد استفدت من هذه البعثة كثيرا، وتعلمت خلالها ما رفع من مستواي في العمل، ولفت نظر الجيش إلى جهودي الجيدة، فانتقلت إلى مرتبة الضباط. وبقيت في هذه المرحلة أتدرج في رتبها إلى أن حان وقت تقاعدي.
وسألته بعد ذلك:
– هل مارست عملا آخر بعد التقاعد؟
فرد علي قائلا:
– نعم، التحقت بالعمل في بيت التمويل الكويتي، وقمت فيه بعمل مهم أدى بهذه المؤسسة إلى رفع درجة عملي، فصرت مديرا لإدارة الفروع في هذه المؤسسة الكبيرة المشهورة. وقد بقيت مثابرا على عملي فيها إلى أن حانت سنة 1976م، فاستقلت منها طلبا للراحة بعد طول عناء وكثرة أعمال.
وسألته مرة أخرى:
– ما الذي استفدته من تجاربك السابقة؟
فأجابني بقوله:
– استفدت الكثير، فقد منحتني تلك التجارب خبرة في الحياة أنا الآن أنقلها إلى أولادي، ومنحتني فرصة العودة إلى أصدقاء الأمس، ومنهم الذين كنت أعرفهم في بداية شبابي، وأخيرا فإنني عدت معك إلى الصلة القديمة التي أنشأها حليب الأمهات.
– وانتهى هذا الحديث، ولكن الأمر لم يطل فسرعان ما ألم به مرض مفاجئ أودى بحياته في 19/11/2019م، تاركا لي ولأهله وأصدقائه حزنا شديدا سيبقى معنا لا يفارقنا، فقد كان أبو صلاح رجلا صالحا محبا لأصدقائه، حريصا على علاقته بهم، رحمه الله.
3 – الشيخ حمد عبدالعزيز الحميدي، هو من خريجي معهد الكويت الديني. وكان هذا المعهد منذ نشأ وهو يتيح الفرصة أمام المكفوفين لتلقي العلم فيه، وقد تخرج في هذا المعهد عدد كبير من هؤلاء بعضهم اكتفى بما تلقاه في حيث درس، وبعضهم درس في الخارج أو في جهة أخرى سيتبين لنا أمرها.
أعرف عددا كبيرا منهم فقد كنت زميلا لهم في دراستهم وعرفت منهم الحرص على طلب العلم، ومتابعة ما يستمعون إليه من الدروس إضافة إلى الطيبة وحسن الخلق.
من هؤلاء أذكر المرحوم حمد عبدالعزيز الحميدي، الذي أقبل على الدراسة بكل ما يستطيع، ولم يتردد – يوما – في مواصلة التحصيل العلمي.
كان من مواليد سنة 1917م في حي القبلة، وبها نشأ، وابتدأ الدراسة عندما وصل إلى السن الملائمة لذلك، فكان أن ابتدأ مسيرته الدراسية على يد الملا محمد العجيري ثم الملا عبدالعزيز العنجري، ودرس القرآن الكريم عند أحد المشايخ وأتم قراءته عنده.
ولكنه لم يكتف بذلك فظل يتطلع إلى المزيد من التحصيل الدراسي، ولذلك فإنه ما إن سمع بافتتاح معهد الكويت الديني حتى تقدم للدراسة فيه، واستمر في ذلك إلى آخر مراحل التعليم الديني الذي كان هذا المعهد يقدمه إلى طلابه.
وعندما تخرج كان معهد النور لتعليم المكفوفين قد افتتح فالتحق به، وتلقى فيه طريقة القراءة والكتابة على الأسلوب المعروف باسم: طريقة «برايل»، وقد أتقن هذه الطريقة وأجادها. وواصل دراسته في هذا المعهد إلى أن أنهى دراسته فيه، فاستحق أن يرسل إلى القاهرة في بعثة دراسية مع عدد من زملائه، فبقي هناك لمدة سنة حصل بعدها على دبلوم معهد النور المصري، وكان الأول على الدفعة التي كان معها.
إلى هنا انتهى من مرحلة التحصيل العلمي وصار مسلحا بالشهادات التي نالها من معهد الكويت الديني ومن معهد النور في الكويت، ومعهد النور في مصر.
لقد أمضى المرحوم حمد عبدالعزيز الحميدي زمنا طويلا وهو يعد نفسه لما سيقوم به، فقد أعطى الدرس حقه، وتنقل من معهد إلى معهد في سبيل الحصول على مزيد من الدراسة، وأخيرا فإنه نال الشهادة التي بموجبها يستطيع أن يزاول العمل الذي يراه مناسبا له. وكان هذا العمل في التدريس فهو أنسب مجال له، وكان قد التحق مدرسا بسلك التعليم في إحدى المدارس الأهلية حتى سنة 1945م، ولكنه غير كل اتجاهاته بعد ذلك حين رأيناه يلتحق – أولا – بمعهد الكويت الديني، ثم بمعهد النور، ثم بالدراسة في خارج الكويت عندما ذهب إلى مصر ونال شهادة الدبلوم من هناك، وكان من نتيجة هذا الاتجاه الأخير أنه صار مدرسا في معهد النور بالكويت، فقد صار قادرا على القيام بهذا العمل المهم الذي أعد نفسه له خير إعداد. ولقد استمر في عمله حتى تقاعد في سنة 1982م.
وإلى جانب عمله في التدريس، فإنه كان يولي الأنشطة الاجتماعية الأهلية اهتماما خاصا، ولذا فقد أسهم في إنشاء جمعية المكفوفين الكويتيين وتولى رئاستها فترة من الزمن كانت من أزهى الفترات التي مرت بها.
وكان يشغل باله – دائما – بالمكفوفين من الأطفال ويعتبر الاهتمام بهم من صغرهم يؤدي إلى تغلبهم على فقد البصر حين يكبرون، ولكثرة اهتمامه هذا وتفكيره فيما يناسب الصغار من تعليم، فقد بدأ وهو في القاهرة بإعداد رسالة تربوية يشرح فيها كيفية بداية تعليم صغار المكفوفين الذين قدر صاحبنا أنهم في حاجة إلى عناية خاصة تختلف عن العناية بالكبار.
وشغلته مشاغل العمل عند عودته، وتسلمه العمل في التدريس عن إكمال هذه الرسالة، فتولى أحد زملاء دراسته وعمله إتمام ما بدأ به وكان هذا هو المرحوم عيسى الهولي الذي مر بكل الظروف التي مر بها حمد الحميدي، ودرس مثله، وقام بالتدريس كذلك.
ولقد كان من زملاء صاحبنا الأوائل، أولئك الذين صبروا، وثابروا على الدراسة حتى وصلوا إلى مرتبة العمل في التدريس فكان منهم طلائع المدرسين الكويتيين في معهد النور عندما نشأ وقد كتبنا عن بعضهم ولعل الفرص تتاح لنا لذكر الجميع، ومن هؤلاء الأساتذة:
٭ ماجد سلطان بخيت.
٭ يعقوب اللوغاني.
٭ حسين إبراهيم.
٭ محمد عوض.
٭ سعد العصفور.
وآخرون قاموا بأعمال مماثلة لما قام به هؤلاء، ولذا فنحن نرجو من الجهات المختصة أن تذكر الناس بهم، فقد تحدوا الإعاقة، وقاموا بعمل حميد، يذكر لهم ويستحقون بسببه التنويه بهم.
4 – وممن ينبغي أن يذكر المرحوم د.عبدالله مبارك الرفاعي الذي خدم وطنه الكويت في الداخل وفي الخارج، أما في الداخل فإن أعماله التي قام بها منذ أن تخرج تشهد على ذلك، وأما في الخارج فإنه قد حصل على شهادات كثيرة تمتدح الأعمال التي قام بها سواء أكان هذا العمل عملا مستمرا أم كان من خلال الندوات والجلسات البحثية المتعددة.
كل ذلك جعل له صيتا طيبا في كل مكان، وكان أسفنا – في الكويت – كبيرا لفراقه، يوم انتقل إلى رحمة الله تعالى في اليوم السابع والعشرين من شهر ديسمبر لسنة 2005م. لقد كان طبيبا وإنسانا وإداريا من الدرجة الأولى، وكان حريصا على القيام بعمله على أحسن وجه. وقد أسعدني أن عرفته عن قرب وعرفت جهوده الكبيرة التي كان يبذلها مهما لقي من الصعاب والعقبات.
ولد د.عبدالله مبارك الرفاعي في اليوم الرابع من شهر نوفمبر لسنة 1937م، وتخرج في كلية الطب في سنة 1962م، ثم واصل دراسته لهذا المجال الذي اختاره لنفسه فحصل في سنة 1967م على دبلوم الطب الاستوائي والنظافة من جامعة ليفربول واستطاع أن يكون زميلا في الكلية الملكية للأطباء في إيرلندا، وزميلا في الكلية الملكية للأطباء والجراحين في جلاسكو.
بدأ عمله الطبي في وزارة الصحة الكويتية، وكان له نشاط جانبي مهم هو التوعية الصحية للمواطنين كنت أعمل في تلفزيون الكويت في سنة 1963م عندما كان د.الرفاعي يحضر لتقديم فقرات من برنامج التوعية الصحية. وقد كان يقدمها بأسلوب سهل مبسط يفهمه الجمهور ويتابعه، واستمر على ذلك إلى أن انتقل إلى الخارج للدراسة.
والتقيت به زميلا فيما بعد ذلك بعدة سنوات، وكان قد التحق بجامعة الكويت التي اختارته أمينا عاما لها لمدة ثماني سنوات، وكان مثالا للالتزام بالعمل والأنظمة، وله نظرات مستقبلية كان لها أثرها في سير العمل بهذه الجامعة، ولقد التقيت به كثيرا في هذه الفترة ضمن الاجتماعات الرسمية أو الندوات واللقاءات الخارجية، وكان مثالا للرجل الذي يعد نفسه للعمل الذي يقبل عليه، فلا يحضر إلى أي مناسبة من المناسبات قبل أن يكون مستعدا لها ملما بموضوع البحث، مشاركا عن جدارة في المناقشات وطرح الاقتراحات إذا وجد إلى ذلك سبيلا.
تولى د.الرفاعي مسؤولية جامعة الخليج العربي في البحرين، وهي جامعة تتبع دول الخليج العربية، وقد سار بها سيرا ممتازا جعلها إلى اليوم منارا للعلم الطبي في المنطقة كلها.
وقد عمل في هذه الجامعة لمدة ثماني سنوات، هيأ لها فيها فرصة النمو والتقدم.
ونحن اليوم إذ نذكر أعمال هذا الرجل الوفي لوطنه فإننا لا ننسى دوره الأول في جامعة الكويت، فمن المعروف أنه كان من القيادات المهمة في العمل الطبي في مختلف مجالاته، وكان لديه استعداد تام للقيام بالتخطيط الإستراتيجي للمشروعات الطبية التي يستلزم إنشاؤها تحضيرا وتخطيطا مهمين.
ومما قام به في هذا المجال أنه سارع في تأسيس معهد الكويت للاختصاصات الطبية، وهو من مؤسسي كلية الطب التابعة لجامعة الكويت، وكان في فترة مستشارا أمينا لوزير الصحة الكويتي.
وكان إلى جانب ذلك كله ينشر المقالات والبحوث في عدة مطبوعات ذات علاقة بالطب، وكان يهتم بتحليل البيانات الصحية في الكويت، والبيانات الاقتصادية ذات الصفة الصحية، وكان ينشر مقالات في مجلة الجمعية الطبية الكويتية، ومجلات أخرى في الشرق والغرب.
هذا، وقد أسهم د.عبدالله في اللقاءات العلمية المتعددة، فكان يلقي المحاضرات والمداخلات ويناقش مناقشة الخبير كل ما يطرح للبحث.
ومن أعماله:
– عضوية الجمعية الطبية الكويتية.
– عضوية لجنة البرنامج العلمي للمؤتمر الدولي بجنيف.
– عضوية اللجنة التنفيذية بجمعية الشرق الأوسط للتعليم.
– وكان مستشارا بجامعة الإمارات العربية المتحدة فيما يتعلق بتخطيط وتطوير حرمها الجامعي الجديد.
أما صفاته الشخصية، فكان – إلى جانب دماثة خلقه – محبا لأصدقائه، ومعارفه، حريصا على استمرار صلته بهم. وكان لا ينقطع عن زيارة أي واحد منهم مادام في الكويت، أما عندما يكون في الخارج فهو عون لكل محتاج من أبناء وطنه، ولذا فإن حب الناس له متمكن في القلوب. وذكراه دائمة في أذهانهم على مر السنين، رحمه الله.
هذه معلومات لا بد من تقديمها للتذكير بهذه النخبة من أبناء الكويت الذين ينبغي ذكرهم والتنويه بما لهم من صفات، ومن أعمال، وما يحملونه من حب عميق لوطنهم: الكويت، كتب الله عز وجل لهم الرحمة، وأبقى ذكرهم في الأذهان.












